الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

سَحَرةُ الكُرة … وفرسانُها

  • 1/2
  • 2/2

فاطمة ناعوت - " وكالة أخبار المرأة "

علّها مصادفةٌ أن تتزامن الذكرى الثالثة عشر (٦ مايو) لرحيل فارس الكرة "صالح سليم" مع أزمة لاعب الكرة "أبو تريكة". وبالطبع، ليس لنا أن نناقش أحكامًا قضائية، فالقضاءُ هو الحكم الفصلُ بين المواطنين فيما اختلفوا حوله، إنما أناقشُ الأمر في شقّه الإنساني والاجتماعي والوطني.
كرة القدم في مصر، تُعدُّ مسألة شديدة الحيوية، تقترب من أن تكون مسألة أمن قومي، أو مشروعاً قومياً يلتقي حوله المصريون، فيتفقون ويتصادقون، أو يختلفون ويتشاحنون، وقد يتخاصمون ويتعاركون، إلى ما أبعد من ذلك. ورغم أن الشق الأعظم من مشجعي كرة القدم في مصر وجمهورها العريض الشاسع، وهم بعشرات الملايين، لا يكادون يمارسون الرياضة على الإطلاق، ولا حتى رياضة المشي (!)، إلا أن هوى كرة القدم يسري في شرايينهم مسرى الدم، وتكاد الكرةُ وصروفُها وتصاريفُها ونتائجها ومبارياتها ودوريها وكأسها أن تكون محور حديثهم في المقاهي والهواتف وبين جدران المنازل وعلى صفحات فيس بوك وتويتر، دون شكّ بأكثر مما يناقشون مأساة التعليم المصري، أو كارثة أطفال الشوارع، أو تراجيديا التحرش الجنسي بالنساء، أو مُخزية العشوائيات وسكّان العشش الصفيح، أو داهية تلوث مياه الشرب، أو مَلمّة أزمة المرور وحوادث الطرق، أو محنة وضع المرأة المصرية المعيلة، أو غائلة البلطجة، أو فجيعة البطالة، أو فاجعة الإرهاب، أو غاشية التطرف الطائفيّ، أو بلاء غياب الوعي الفكري والثقافي لدى العامة، أو كرب الاقتصاد المصري، أو فادحة غلاء الأسعار، أو نازلة أزمة الطاقة، أو طامة الموازنة المصرية، أو نائبة القمامة، أو تطورات مشروع قناة السويس، وغيرها من الأمور الجلل التي يجب أن تكون شغل المصريين الشاغل في هذه اللحظات العصيبة من تاريخ مصر!
لكنها "الساحرة المستديرة"، التي سلبت عقول المصريين، ربما كنوعٍ من المعادل الموضوعي لتعاسة المواطن المصري وشعوره بانعدام آدميته في المواصلات والشوارع والعمل، فوجد في تلك المستديرة ما يعوضه عما فاته من حياة.
وفي الكلام عن تلك الرياضة التي تحتلّ الصدارةَ في اهتمام المصريين على مدى العقود والأجيال، نُقرُّ أن لكرة القدم "سَحَرةً" وأن لها "فرساناً".
أما السَحرةُ، فهي جمع ساحر، وهو اللاعب الذي يسحر عقول المشاهدين بمهاراته الجسدية ولياقته الجسمانية وبراعة رقصته الرومانتيكية الذكية مع تلك الفاتنة الصغيرة التي يلهثُ وراءها اثنان وعشرون لاعباً، حتى تدخل العروسُ الصغيرة عُشَّها المرتقب فتصيبُ شبكة هذا الفريق، أو ذاك.
وأما الفرسان، فهي جمعُ فارس، وهو اللاعب الذي يجب أن يكون ساحرًا في البدء، ثم يضيفُ إلى مهاراته الرياضية واللياقية والجسمانية، مهاراتٍ أخرى إنسانية وأخلاقية ما يجعله جديرًا بقلب "فارس"، وليس فقط الاكتفاء بلقب "ساحر".
وفي الحديث الفروسية، نتذكر صالح سليم، ذلك الفارس النبيل الذي وضع لتلك الرياضة أخلاقيات ومبادئَ وأدبيات، علّمت النشء كيف يكون الرياضيُّ مثقفًا وجميلا وفائقًا. وينطبق الحديثُ ذاته على فارس آخر مازال عطاؤه الكروي والإداري والتربوي غزيرًا، هو "بيبو"، أو الفارس "محمود الخطيب"، أمدّه الله بالصحة الوفيرة والشباب الدائم. وأفخر أن ابني "مازن" قد تعلّم على يد هذا الفارس في "مدرسة الخطيب" بنادي الرحاب قبل سنوات. فتعلّم منه الأخلاقَ والتحضّر قبل أن يتعلم مهارات كرة القدم وفنونها. ورأيته بنفسي في بداية كل درس يسأل الأطفال إن كانوا قد أدّوا صلواتهم وقبّلوا أيدي أمهاتهم وآبائهم وأنجزوا واجباتهم المدرسية، وكان يعاقب من يتهاون في أداء مهامه الحيوية والأسرية والأخلاقية بالحرمان من الدرس الكروي. فقد كان حريصًا على صناعة "فرسان"، وليس "سحرة" في الرياضة.
أولئك الفرسان النبلاء استغلوا شعبيتهم الهائلة في خدمة وطنهم وأبناء وطنهم وتربية أجيال محترمة من النشء الطالع، ولم يسيئوا استخدام تلك الشعبية، التي هي منحةٌ من الله، ولا استغلوا الأموال التي حصّلوها من وراء تلك المستديرة، التي هي منحة من الشعب، في تدمير المجتمع وتمويل أعداء الوطن لهدمه.
كما أسلفتُ في صدر مقالي، ليس لنا أن نطرح للنقاش أمرًا هو من شأن القضاء، إنما هي تداعيات الأفكار التي تجعلنا نعقد المقارنات بين الرجال والمواقف والأحداث، لكي نميّز الخيط الأسود من الخيط الأبيض، والغثّ من السمين، والسحرة من الفرسان النبلاء.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى