فن تشكيلي

محمد لكبير.. فنان يصنع من النقطة والخيال عالماً من الإبداع

في عالم الفن، لا تبدأ كل الحكايات من أكاديمية أو معهد متخصص، فالموهبة الحقيقية قد تجد طريقها من الورشة ومن الحياة اليومية، حين تمتلك العين القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وتملك اليد مهارة تحويل الخيال إلى عمل فني، ومن هنا بدأت حكاية الفنان العصامي محمد لكبير، الذي اختار أن يصنع لنفسه مساراً خاصاً في الفن، بعيداً عن القوالب الجاهزة.
كانت بداية الفنان محمد لكبير سنة 2010 إلى جانب والده، الذي كان يشتغل بهذا الفن قبل أن يتحوَّل إلى موضة أو يحظى بالاهتمام الذي يعرفه اليوم، محمد يراقب ويتعلم ويكتسب أسرار الحرفة، إلى أن شعر بأنه أصبح قادراً على خوض تجربته الخاصة، لكنه لم يكتف بانتقال الحرفة من الأب إلى الابن، بل تعلم أساساتها ثم أضاف إليها من خياله، ليبني تدريجياً لغة فنية تحمل بصمته.
وتظهر خصوصية تجربته بشكل واضح في مجسماته التي يصعب أحياناً وضعها في تفسير واحد، فهي أعمال تنطلق من الخيال ولا تعتمد على نموذج جاهز أو تقليد لعمل آخر، يبدأ محمد من صورة تتشكل داخل ذهنه، ثم يحاول منحها شكلاً مادياً بيديه، لذلك يمكن للمتلقي أن يرى في المجسم الواحد أكثر من معنى، فكل شخص يقرأه من زاويته الخاصة، وهو ما يجعل الغموض جزءاً من جمالية العمل.

 


أما في لوحاته، فتبرز النقطة باعتبارها العنصر الأكثر حضوراً وتميزاً، فمحمد لا يعتمد على التلوين التقليدي فقط، وإنما يوظف آلاف النقاط باستخدام صباغة الزيت وأحياناً صباغة الماء، لتتراكم وتتداخل وتمنح اللوحة كثافتها وتفاصيلها، تقنية تتطلَّب صبراً ودقة وتركيزاً كبيراً، لكنها تحوَّلت مع الوقت إلى بصمته البصرية الخاصة، وإلى عنصر أساسي في هويته الفنية.

 


وتستمد أعمال الفنان محمد لكبير جزءاً كبيراً من روح البيئة التي ينتمي إليها، ومن الثقافة الكناوية التي تحيط به، لذلك نجد حضور آلة الكنبري والقيثارة والطبال في أعماله، ليس باعتبارها آلات موسيقية فحسب، وإنما كعناصر فنية تحمل ذاكرة المكان وروحه، كما يستمد أفكاره من المدن والأزقة والوجوه والتفاصيل اليومية، حيث يمكن لأي مشهد أن يتحول في ذهنه إلى لوحة أو مجسم.
ورغم أن تجربته بدأت تشق طريقها تدريجياً نحو مزيد من التعريف والحضور، فإن طموح محمد لكبير يتجاوز حدود ما تحقق، فهو يحلم بأن ينتشر هذا الفن الذي اختار أن يمنحه خصوصيته، وأن يجد له فضاءً خاصاً يحتضن أعماله، إلى جانب المشاركة في معارض كبرى داخل المغرب وخارجه، والوصول إلى جمهور أوسع.

 

 

محمد لكبير نموذج لفنان عصامي بدأ من الورشة، وتعلَّم إلى جانب والده، ثم اختار أن يطور ما تعلَّمه ويمنحه هويته الخاصة، لم تنتظره الأكاديمية ليبدأ، بل صنع مدرسته بنفسه، وجعل من النقطة لغة، ومن المجسم فضاءً للخيال، ومن البيئة المحيطة به مصدراً دائماً للإلهام.
هكذا يواصل الفنان العصامي محمد لكبير بناء تجربته الفنية بخطوات ثابتة، مستنداً إلى شغفه بالتجريب وإيمانه بأن الفن مساحة مفتوحة للتعبير، وفي أعماله تتحوَّل النقطة من مجرَّد عنصر بصري بسيط إلى بصمة تحمل إحساسه ورؤيته الخاصة، لتصبح مع مرور الوقت جزءاً من هويته الفنية التي يواصل تطويرها وصقلها.

 

المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا