الارشيف / بريد القرّاء

عوامل إنهيار الحضارات .. بقلم الدكتور أسامة آل تركي ( الجزء الأول )‎

يطرح الكثير من الناس أسئلة جوهرية وهي .. إلى متى سيستمر هذا الوضع بسبب كورونا؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الأزمة التي خلفت الملايين من البطالة؟ وكيف يمكن للدول المتضررة أن تقف ساكنة واقتصادها ينهار؟، سوف نحاول أن نحلل في هذه المقالة تقديم تحليل علمي اقتصادي مبسط، يجب أن نعلم بأن وراء كل ازدهار اقتصادي إنهيار وبعد كل إنهيار  يأتي انتعاش اقتصادي.
في سنة 1918، بعد الحرب العالمية الأولى كان هناك نمو اقتصادي كبير في أمريكا وتوفرت الكثير من الفرص الوظيفية وقدمت البنوك الكثير من التسهيلات والقروض الميسرة، وازدهر الاقتصاد الأمريكي وازدهرت صناعة السيارات مما أدى إلى زيادة في الانتاج وأصبحت المصانع تنتج سيارة كل عشرة دقائق، وأصبحت كل عائلة أمريكية تمتلك سيارة مما سُمِّي بعصر المستهلك الأمريكي بإمتياز، وفي المقابل ازدهرت بورصة الأوراق المالية وقدّمت البنوك القروض بشكلٍ كبير، وفي أكتوبر من سنة 1929، حصل الإنهيار الاقتصادي للبورصة وإنهارت الأسهم وأعلنت البنوك إفلاسها، وحاولت البنوك الأمريكية استرجاع المبالغ المالية من البنوك في أوروبا مما تسبّب في إنهيار المصارف الأوروبية، وإنخفاض التجارة العالمية إلى 50% وفي بعض الأوقات إلى 75%، مما تسبب في إنخفاض مستوى الفرد وأُقفلت المصانع وتأثرت أعمال البناء وزاد عدد البطالة بشكل رهيب جداً.
استمرت الأزمة حتى سنة 1933، حيث تم إعداد برامج اقتصادية من قبل الدول وبدأ الانتعاش الاقتصادي، لكن فشلت الكثير من الأنظمة السياسية في إنعاش اقتصادها مما عجّل في اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومن المؤكد أن دخول الدول في حرب عالمية تسبب في أزمة اقتصادية كبيرة خلال سنوات الحرب التي استمرت تسع سنوات وكانت نتيجة تلك الحرب دمار الإقتصاد في جميع دول العالم بشكلٍ كبير، تسبب في إيقاف كل أنواع التنمية والازدهار والرفاهية للفرد.
و بعد انتهاء الحرب العالمية شهد العالم نمواً وازدهاراً كبيراً في كل القطاعات إلى أن تعرض العالم لهزات اقتصادية في العقود الماضية، ما لبث أن تعافى منها، ولم تكن بحجم الخسائر التي خلفتها الحربين العالميتين الأولى والثانية، أما اليوم فقد وصل العالم إلى أعلى القمم من ازدهار وتطور ولكن ماذا حدث؟ ..
إن ما يحدث الآن يعيد للتاريخ نفسه ليس فقط منذ مائة عام مضت ولكن من خلال القرون الماضية فالمتتبع للتاريخ يجد حضارات نشأت من خلال إنهيار لحضارات سابقة وارتفاع وانخفاض في وتيرة الاقتصاد نتيجة لذلك.
العالم اليوم يعيش في فلك الدولار الأمريكي وفي هيمنة القوة الأمريكية وسيطرتها على كل شي في الاقتصاد والسياسة وأيضاً القوة العسكرية ونفوذها المنتشر حول العالم، هذا الأمر جعل العالم يدور من خلال الفلك الأمريكي ولا يستطيع أحد أن يخرج من تلك الهيمنة، الدولار الذي يسير كل أنواع التجارة العالمية والعملة البنكية الوحيدة التي يتعامل معها العالم ولا ننسى أن الاقتصاد الأمريكي يمثِّل ما يستهلك في الداخل وما يصدر للعالم يشكِّل 30% من اقتصاد العالم.
ولكن خلال السنوات الماضية القليلة كانت هناك بعض التكتلات التي تريد أن تخرج من عباءة الدولار، كان أولها اليورو والتعامل فيما بين الدول الأوربية التي استغنت عن الدولار وأصبحت أوروبا تتعامل مع العالم الخارجي بتلك العملة، ثانياً التكتل الصيني الروسي ذلك التعاون المشترك بين البلدين الذي تم الإتفاق عليه والذي يقدر ذلك التبادل التجاري بأكثر من مائة وعشر مليار دولار واستبدلوه الدولار بالعملة المحلية بين البلدين مما أدى إلى َالاستغناء عن الدولار في التعاملات البنكية بينهما، ثالثاً التكتل الصيني الهندي أيضاً، ذلك التبادل التجاري بينهما الذي يقدر بمائة مليار دولار وأيضاً بالعملة المحلية بين البلدين والاستغناء عن الدولار في التعاملات البنكية، رابعاً التكتل الاقتصادي الإسلامي بين كل من تركيا، باكستان، ماليزيا، أندونيسيا وقطر، الذي تم على أن يكون التبادل التجاري بينهم أيضاً بالعملة المحلية لكل دولة والإستغناء عن الدولار بين هذه الدول، وهناك تحركات بين الكثير من دول العالم خاصة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا من أجل الاستغناء عن الدولار الأمريكي، كل ذلك سوف يشكَل خطراً كبيراً على الاقتصاد والهيمنة الأمريكية.
 

المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى