جاء الإمبراطور الروماني، هادريان، من مصر التي كانت تحت حكم الرومان، وكان أول زيارة له إلى مصر ليقيم فيها أول مدينة رومانية، لذكرى صديقه أنتونيوس، في صعيد مصر وسميت الآن مدينة الشيخ عبادة.
جاء الإمبراطور من مصر إلى جرش ليرد على عدوان الفرس على تدمر التي هدموها، وحين علم أهالي جرش بقدوم الإمبراطور هاديان، أقاموا له قوس هادريان الشهير، أو ما يسمّى الآن بوابة جرش أو قوس النصر، الذي ما زال قائماً في ارتفاع 11م، ولافتاً للانتباه التيجان الموجودة في أسفل و أعلى الأعمدة، وكانت الزيارة الإمبراطورية في الشتاء من عام 129 م، وقد أقام الجرشيون له حفلاً مهيباً، إذ كانت جرش التي أسسها الإمبراطور بومبي عام 63م، هي عاصمة الدنيا الثقافية، والثقافة ملتصقة بجرش منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا، حيث يعيد الأردنيون إحيائها في مهرجان جرش من كل عام لتأكيد ذلك ووفاء للمدينة التي سميت لذلك.
وقد قال الإمبراطور بومبي حين أقامها أنها ليست مدينة للإمبراطورية الرومانية، بل "عاصمة الدنيا للثقافة" وقد أصبحت يومها محجاً للمثقفين والفنانين. وكلما ولد فيها شاعر أو فنان، أقيم له عمود من أعمدتها، حتى غدت مدينة الألف عمود، أي ألف شاعر، فلا تستكثروا على جرش مهرجانها وما يتنزل فيها من فن وثقافة وشعراء،كان قد نشر مدير مهرجانها " أيمن سماوي " أسماؤهم في البرنامج الثقافي باسم ( هنا الأردن... ومجد مستمر من 24/ 7 الى 2/ 8 2025 ).
كانت جرش يومها إحدى مدن الديكابوليس الرومانية في اتحاد اقتصادي ثقافي.
ويصل هارديان وتغنِّي له النساء ويحتفل به، وكان وصوله شتاء عام 120م، وقد أحاطت به جوقات فنية وموسيقية وخيول، وترجَّل ووقف على البوابة وارتجل كلمة، قال فيها : "إنه سيتوجه بعد ذلك إلى تدمر التي خرَّبها الفرس (الصراع الفارسي الروماني) "، و قد جاء على ذكره القرآن الكريم (غلبت الروم الفرس في أدنى الأرض، وهم من بعدهم غلبهم سيغلبون في بضع سنين)، وبعد ذلك جاء الإسلام ليفتتح شرحبيل بن حسنة، جرش وبلاد فلسطين، وقد كان الإسلام إلى جانب الروم في صراعهم مع الفرس، وخاصةً في اليمن، حيث حرق النصارى على يد اليهود الذين كانوا حلفاء الفرس، فانتصرت بيزنطة للمسيحين، وهذا الحادثة مذكورة في القرآن في صورة البروج : قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ "وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿8﴾ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
هارديان في كلمته أمام جمهور جرش الكبير قال : " لا تكسب المعارك بالكراهية، الغضب والكراهية، قد يقويانك ويزيدانك شجاعة، لكنهما يضعفانك أيضاً، ينتهي بك الأمر بالتعثُّر "، ثم واصل رحلته داخل المدينة التي أصبحت عاصمة المدن الديكابوليس لصمودها في وجه الأنباط وبسط نفوذها لاحقاً على تدمر بعد طرد الفرس منها.
وقد دُوِّنت تعبيرات هادريان وحكمته الراسخة وخاصةً قوله : ( الرجال مقبرة مهجورة وسط الموتى الذين توقَّفوا عن الاعتزاز بهم، أي حزن دائم هو استنساخ لإهمالهم ).
"طوبة طوبة أيها المواطنون... يرقد هنا موتى ثم لم يعد يُقدروا.. طوبة طوبة.
لقد كان من الذكاء التقاط المكان والزمان حين انطلق مهرجان جرش في 1981، ليصل الدورة 39، الآن بعد أن جدد انطلاقته على يد الملكة رانيا العبد الله في مرحلته الثانية، وحيث يقدِّم مهرجان هذا العام 2025، أكثر من 235 فعالية فنية، وتشمل حفلات لكبار النجوم وعروضاً مسرحية وأمسيات شعرية، ويأتي المهرجان فرصة لتعزيز الثقافة والإبداع والتأكيد على أن الأردن ما زال يمثِّل شعلة الثقافة والوعي الإنساني بالفن الذي يمكنه أن يساهم في تغيير العالم وإعادة إنتاجه.
ازدهرت جرش في عهد الأمويين الذين كانوا يديرون خلافتهم من دمشق وقد اهتموا بها وذكروا اسم نهرها، نهر الذهب،
وكان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان يوصي أن يأتيه الرمان من جرش، وهي الفاكهة المفضَّلة لديه، يهديها لمن عظم من قادة تلك الفترات الزمنية، وجرش لم تسلم من الخراب والدمار، فقد أصابها زلزال عام 749، دمّر الكثير من معالمها، وتبعته زلازل عدة، وصمدت جرش وما زالت تتباهى بدورها التاريخي، وما زالت تجد من يوقد شعلتها ويعلن ريادتها ورسالتها الثقافية حين أُنشئت آنذاك من أجل أن تكون عاصمة العالم الثقافية.
جرش الآن في ثقافتها عهدة لدى وزارة الثقافة ولدى المهرجان الأشهر عربياً، بإدارة الخبير أيمن سماوي وفريقه الكبير، ليبلغوا هذه الرسالة ويحافظوا على استمرار إتقادها كرسالة للعالم على أن هذه الأرض ولادة بالفن والعطاء الإنساني وبالشراكة في البناء والإعمار، وضد الخراب والدمار والعدوان.
إن المهمة كبيرة والذين دقّوا على صدورهم من أجلها، لا بُدَّ أن ينجحوا ويدعموا ويمكنوا لأداء رسالتهم.
إزدهرت جرش في زمن الأمويين، وقد أقاموا فيها مسجداً هو المسجد الأموي في جرش، واهتموا كذلك في فلسطين، فأقام هشام عبد الملك والذي أصبح خليفة قصر هشام في أريحا، وبنوا مدينة الرملة التي جعلها مسلمة بن عبد الله شقيقهم الثالث عاصمة فلسطين.
جرش أقام على مائها الشراكسة بكتاب من السلطان العثماني وقد وصلها أول أفواجهم عام 1887، كما وصلها الكثير من الشوام والأرمن لثروا دورها.
واليوم محافظة من 237 ألف نسمة حيث في المدينة جرش، منهم 160، كما تحمل جرش مخيم غزة في 60 ألف منذ عام 1967... مهرجانها يسطع هذا العام ليستقبل أكثر من مليون زائر.
المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة