أثارت دراسة أجرتها إذاعة هولندا استناداً إلى إحصاءات مراكز الأبحاث والمعطيات الخاصة بالمنظّمات غير الحكومية، أكدت فيها ارتفاع نسبة العنوسة في لبنان إلى 85%، جدلاً واسعاً ليس فقط في الوسط النسائي بل في المجتمع ككل وصل تردداته إلى أنحاء العالم.
وعلى الرغم من مصداقية مصدر هذه الدراسة التي نشرت الأسبوع الماض، لكنني أعتقد أن هذه الأرقام مبالغ فيها قليلاُ، فكوني لبنانية أرى أن الكثير من الفتيات اللبنانيات حصلن على بكالوريوس عنوسة بمحض إرادتهن ولا ينتظرن العريس الذي سيحملها على حصانه الأبيض إلى بيت الأحلام.
الكثير من المثقفات اللبنانيات يفضلن البقاء في قطار العمر الذي يمضي مسرعاً على أن يتزوجن أشخاصاً يحول حياتهن إلى جحيم أو يستغلهن مادياً أو يضفن رقماً على لائحة المتزوجات اللبنانيات في السجل القومي.
فمسلسل "عايزة اتجوز" الذي حصد إعجاباً واسعاً في أنحاء العالم العربي لا يتطابق كثيراً مع واقع الحياة التي تعيشه الفتيات اللبنانيات، فليس هناك 85% منهن تلهثن للبحث عن مخلصهن من السلطة الأبوية أو يدخلهن بوابة السعادة والأمان المنشودين.
دائماً ما تردد بعض الجدات لأحفادها البنات منذ نعومة أظفارهن أن الزواج هو المحطة الاخيرة للمرأة وتتويج لحياتها، مما يعني بهذه المعادلة التي وضعتها هذه الجدات بأن المرأة غير المتزوجة هي امرأة ذات حياة ناقصة، لم تكمل الرسالة التي ولدت من أجلها" وكأن الرسالة الأساسية للمرأة هي "التكاثر" للمساهمة في تربية جيل صالح يساهم في تنمية المجتمع.
وإذ أكدت الدراسة المذكورة بأن السبب الرئيسي لارتفاع نسبة العنوسة في لبنان "مرتبط مباشرة بالرجال الذين باتوا يتأخرون في الزواج نظراً لمتطلّباته على مختلف الصعد"، غير أنه لا يمكن إغفال العامل الاقتصادي في تدني نسبة الزواج بلبنان، فمقابل 85% من الفتيات "العانسات" فلا بد من وجود نسبة -ليست بصغيرة- منهن مخطوبات لسنة أو سنوات بانتظار تأمين التكاليف اللازمة لتغطية تكاليف الزواج، بدلاً من الدخول إلى القفص الزوجي وهن مثقلات بالديون المتراكمة.
وفي النهاية، قد تكون العنوسة خياراً في كثير من حالاتها، وان كانت واقعاً يفرض نفسه في بعض الحالات الأخرى، نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة أو التقاليد والأفكار الضيقة، ولكن حتى لو كانت خياراً فهي خيار مكلف جداً، يثقل كاهل الفتاة بالمصطلح القاسي ويضعها في مواجهة المجتمع. فكلمة "عانس" غير جارحة، ولكن طريقة نطق الناس بها هي التي تجعل لها مدلولاً جارحاً، لذلك أرى أن ما يجب تغييره في "معضلة" العنوسة هي الدعوة لتغيير المفهوم الاجتماعي لكلمة "عانس".