كانت لجنة الاقتراع التى أدليت فيها بصوتى الانتخابى مزدحمة بالنساء من كل الشرائح العمرية والاجتماعية والمهنية. كنا جميعا مبتسمات. وقد سمعت كلمة «مصر» تتردد كثيرا.
ولم تذكر النساء المصطفات فى طابور اسم أى من المرشحين الاثنين ولكن كان من السهل توقع الفائز من الاسئلة التى طرحت على «تفتكرى الأمن حـ يرجع؟» تفتكرى الوضع حـ يتحسن اقتصاديا؟» وكانت اجابتى « ان شاء الله» دون أن اذكر مرشحا لأن الذى كان يشغل ذهنى هو «كلمة مصر» التى كانت تتردد كثيرا. تيقنت ان المصطفات من الصباح الباكر امام اللجنة كن، ومازلن، وسوف يتمسكن بمصر . كن مصطفات من أجل مستقبل مصر. لا مطالب لهن إلا امن مصر واستقرارها. ذهبن إلى صناديق الانتخاب بلا شروط مسبقة.
يحدث ذلك فى مصر فى الوقت الذى يضن فيه رجال «مصرنا» هذه على المرأة. يعطونها حقها بـ «القطارة» وكأنهم يتصدقون عليها. لا يزالون ينظرون إليها كأداة يستخدمونها فى معاركهم بالرغم من أنها تسعى لتثبت نفسها كعنصر محرك لتاريخ أمتها وشعبها ومشاركا فى صياغته. وهى تريد حقها الانسانى البشرى بغض النظر عن وجودها التصويتي. لا تطلب ثمن ذهابها إلى صناديق الانتخاب، كما يدعى البعض، ولكن لأنها نصف المجموعة البشرية المصرية. تذهب إلى صناديق الانتخاب وتنزل الميادين ليس انتظارا لثمن يتصدق به الرجال من الممسكين بسلطة صنع القرار وإنما لتؤدى واجبها الوطنى حبا لبلدها.
عندما توجهنا إلى لجنة الاستماع التى رأسها السيد سامح عاشور إعدادا لدستور 2014 ، شرحنا بكل التفاصيل. كيف ان المرأة المصرية لا تمثل فئة تبحث عن حقوقها المهضومة وإنما تمثل، بحكم الطبيعة، نصف المجموعة الانسانية فى المجتمع المصري. كما هى فى كل المجتمعات الأخري. تتقاطع هذه الكتلة البشرية مع كل الطبقات والفئات الاجتماعية المصرية الموجودة، وبالتالى فطبيعة حقوقها واستحقاقاتها تختلف كثيرا عن طبيعة حقوق واستحقاقات الفئات المهمشة المصرية. لدينا المرأة العاطلة والمرأة الأمية والمرأة الفلاحة والمرأة العاملة والمرأة المسيحية والأخرى المعوقة والبدوية والصعيدية والدلتاوية. تختلف الصفات ولكن تستمر المرأة هى المرأة التى تبحث عن حقوقها، ترتبط بالمساواة والفرص المتكافئة فى التعليم والتدريب والعمل والصحة والمشاركة العامة والتمكين الاقتصادي.
مناقشة قضايا المرأة على مستوى العالم منذ عام 1975 جرت على أساس ان نساء العالم يمثلن مخزونا بشريا تحتاجه بلدانهن فى حالة اتجاهها إلى التنمية المتواصلة والمتعددة الأبعاد. فهن المجموعة البشرية التى لاتزال إلى الآن لديها الامكانيات الفكرية والعملية الساكنة والكامنة. المجموعة البشرية التى لم تقدم إلى الآن كل ما لديها لإنجاح التنمية فى بلدانها. ويمكن ملاحظة تلك العلاقة الجدلية والطردية بين انطلاق النساء إلى الإمساك بحقوق المواطنة الكاملة وبين نمو البلدان بل ونمو المناطق الجغرافية المختلفة. تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة إلى أن منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تحقق متوسطا للنمو العام سنويا يزيد قليلا على الاثنين والنصف فى المائة. وهى منطقة كانت باستمرار خارج مسار النمو لعقود زمنية وربما لقرون. وفى ذات فترة النمو هذه، تقدمت نساء المنطقة كثيرا عما كانت عليه فى مجال المشاركة العامة نتيجة لزيادة تعليمها وتدريبها وادماجها، شيئا فشيئا، فى الحياة العامة. وقد تقدمت المرأة فى منطقة إفريقيا جنوب الصحراء فى مجالات اكثر من تقدمها فى مجالات أخري.
وإذا كنا كنساء مصريات غير راضيات بالمرة عن النتائج التى ستجنيها المرأة المصرية من تطبيق قانون البرلمان والذى خصها قانونا بثلاثة مقاعد فى القوائم المغلقة للثمانى دوائر فإننا ننظر إلى المستقبل القريب بعين التفاؤل مدركات أن المرأة المصرية، وإن كانت تتقدم منذ زمن طويل طالبة حقوقها فى المواطنة الكاملة، ولا تزال إلى الآن تطالب، إلا ان المجتمع ذاته سيتقدم هو إليها إذا ما تقدم إلى تنفيذ التنمية المتواصلة.
وقد حدث ذلك فى حقب سابقة. عندما نفذت الخطة الخمسية الأولى 60\65 فتح أمام المرأة المصرية كل مجالات التعليم وكذلك مجالات العمل المختلفة. فى تلك الفترة ادخلت الدولة مجالات وفنون عمل متنوعة جعلت النساء المصريات يعملن بكثافة فى صناعات الغزل والنسيج وفى صناعة الادوية وفى الصناعات الالكترونية على سبيل المثال. كما انخرطن فى مجالات عمل لم يكن يمارسنها قبلا. تم استدعاء المرأة إلى العمل فى هذه المجالات وغيرها ليس بالقول وإنما بمجرد التقدم إلى العمل التنموى الذى يحتاج إلى الغوص فى عمق المخزون البشرى الموجود فى البلاد بغض النظر عن النوع الاجتماعي.
ونقدم نموذجا لذلك. لقد أثيرت القضية الزراعية كثيرا على طول وقائع الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة على أساس أن الريف المصري، فى الدلتا أو الصعيد أو محافظات الحدود، يحتاج إلى تنمية زراعية تهتم بالمواطن والأرض ثم بالمحصول. كما أثيرت قضايا الزراعات الكبيرة التعاقدية وكذلك فكرة اطلاق حرية المزارعين فى تكوين التعاونيات الزراعية، بالإضافة إلى العديد من الأفكار التى تتجه فى الأساس إلى معالجة الفقر والعوز «وكانت كلها افكارا عامة». وكانت مناقشات جيدة. لكن فى حالة الدنو من تطبيقها لن يستطيع اى مسئول ادخال مشروعات تطوير الزراعة المصرية، بكل ما يتضمنه من تطوير الرى والحرث والجنى والتسويق وتعظيم الانتاج الزراعي، إلا باللجوء إلى إدماج المرأة الريفية فى مجمل العملية التنموية الزراعية. لسبب بسيط للغاية وهو أن ثلث الانتاج الزراعى الحالي، الداجنى والمحصولى والحيواني، تنتجه المرأة الريفية العاملة فى الزراعة وملحقاتها. وفى حالة توجه الدولة إلى تنمية الزراعة فإنها ستتجه، بطبيعة الحال وبحكم الواقع الفعلى والعملي، إلى كل المنتجين والمنتجات صانعين سلة الغذاء المصرية. وبقدر ما ستطالبهن بالواجب لابد أن تقدم لهن الحقوق، لكل حسب نوعه الاجتماعي. هنا تبرز فكرة توجه المجتمع للمرأة ليطالبها بالدمج والانخراط فى نشاطات المجتمع. وبقدر ما سيطالبهم بالواجب سيقدم لها حقوقها الكاملة. تلك هى الفكرة الاساسية التى تربط بين حقوق المرأة كمواطنة والتقدم بتنمية بلادها.
يظلم قانون البرلمان المرأة، لذا سنواصل عملنا كنساء استطعنا، بحكم الظروف، تحقيق تعليمنا وعملنا وممارسة نشاطنا الاجتماعى الكامل. ونحن كنساء كل العالم نعلم ان قضية المرأة تحتاج إلى «النفس الطويل» الذى يعرف الهدف ويستمر يعمل لتحقيقه بالعمل المستمر.