هناك العديد من المؤسسات المتميزة في الدول العربية التي خطت خطوات نحو التميز والإبداع والتفوق ، ومنها ما شرع في تصميم خارطة طريق معبدة لتحقيق التميز المنشود ،ومن أبرز هذه الدول العربية دولة الإمارات العربية المتحدة،السباقة في إطلاق العديد من جوائز التميز التنافسية بين مؤسساتها الحكومية وبمشاركة مع القطاع الخاص ،منها برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، ثم تلته برامج أخرى مثل برنامج الشيخ خليفة للتميز الحكومي ،وبرنامج عجمان للأداء الحكومي المتميز،وبرنامج الشيخ صقر للتميز الحكومي،وغيرها من البرامج والجوائز التي أسهمت وبشكل ملموس في تحسن أداء الدوائر الحكومية وأدت إلى التنافسية المحتدمة وولوج بعضها إلى مصاف العالمية في تميزها،وأخرى في طريقها للوصول إليه،ومع ذلك نجد بعض تلك الدوائر المتنافسة في ظل احتدام التنافسية فيما بينها مهددة بتسرب موظفيها القسري ،إما بالاستقالات أوالانتقال إلى دوائر منافسة أخرى تكون عروضها أكثر إغراء من حيث الراتب والميزات الإدارية الأخرى ،وقد يقول قائل كيف لمؤسسات متميزة أن يتسرب منها الموظفين ذوي الكفاءة؟ نتفق مع مثل هذا الطرح، لأن من أهم المعايير الداعمة لتحقيق تميزها وجود موظفين محفزين وبيئة عمل جاذبة ولكن ما نقصده هنا أن بعض تلك المؤسسات المتميزة وليس كلها وفي لحظة غفلة ،أو بسبب ما قد يعتريها من التباهي والزهو بفوزها المتكرر وحصادها العديد من الجوائز تنتابها حالة يمكن أن نطلق عليها مجازا لفظة \" الغرور المؤسسي\" ،فتبدأ تتسرب لوحداتها الإدارية لحظات خمول وتراخي مما يسبب لها بروز هوة وبعض الفجوات التي تشهد زيادة باتساعها ،والتي بحاجة إلى تضييقها وإغلاقها لتظل محتفظة بمكانتها المتميزة بين منافسيها في نفس المجال ، ومن تلك الفجوات غفلتها عن حاجات موظفيها المتنامية مع تنامي دورها ومكانتها المتميزة بين المؤسسات الأخرى ،فتفاجئ بزيادة في أعداد المغادرين أو الراغبين في المغادرة منها عن طريق الاستقالات وطلب الانتقال لغيرها. ولمناقشة التسرب الوظيفي علينا التفريق بين ثلاثة مفاهيم (الدوران الوظيفي - التدوير الوظيفي- التسرب الوظيفي) ، فالمفهوم الأول وهو الدوران الوظيفي أو ما يسمى (Employee Turnover) فيعني حركة الموظفين من وإلى المؤسسة خلال فترة زمنية معينة،ويقاس الدوران الوظيفي بنسبة مئوية معينة ، فإذا ما كانت هذه النسبة متدنية لصالح الاستقرار الوظيفي تكون إيجابية للمؤسسة،والمفهوم الثاني هو التدوير الوظيفي (Job rotation)،وهذا ما تتبعه الدوائر والمؤسسات الحية وذلك بإجراء تنقلات دورية بين مختلف الفئات الوظيفية بهدف إكسابهم المزيد من الخبرات والمهارات،وتغيير الطابع الروتيني الممل لعملهم، وهذه ممارسة ايجابية تؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتطور وتحسن الخدمات المقدمة،وتفتق الأفكار الإبداعية،أما المفهوم الثالث وهو مقصدنا في هذا المقال (التسرب الوظيفي) فهو عبارة عن نزف وظيفي من داخل المؤسسة إلى خارجها ،وهذا يعد ظاهرة سلبية تؤثر على أدائها وأداء وحداتها الإدارية قاطبة ..إذاًّ!! ما هي مسببات هذا النزف الوظيفي ..؟،وقبل الخوض في الأسباب علينا التذكير بأن من يصنعون التغيير ويسهمون في تميز المؤسسة وبشكل ملموس هم(10إلى20)% من مجموع الموظفين ،والنزف يحصل في هذه النسبة الفاعلة وهذا ما يهدد المؤسسات وخاصة المتميزة منها .. فما الأسباب الرئيسية لمغادرة الموظفين..؟ يجمع الخبراء أن الراتب ليس من أهم الأسباب أحيانا ،إلا أن هذا السبب أصبح له دور هام في أسباب الاستقالات في ظل التضخم وزيادة الأسعار وازدياد احتياجات الموظف وأسرته مما يدفعه للبحث عن عمل يدر له دخلا أفضل،وهناك أسباب \"فيسولوجية\" تغيرات في الحاجات الجسدية بسبب تغيرات عمرية وعادة ما تطال هذه التغيرات الموظفة بسبب الزواج أو الحمل، وأسباب \"سيكولوجية\" ويقصد أسباب نفسية وهي من أخطر المسببات للتذمر وعدم الرضا عن بيئة وواقع العمل لممارسات في محيطة الضيق \"الوحدة الإدارية\" كمعاملة سيئة ،أو ممارسة قهر وظيفي أو بطئ الإجراءات الإدارية والمالية بشأن احتياجاته ، وهناك عوامل أخرى تتعلق بالجانبين الفيسولوجي والسيكولجي لها دور في حدوث النزف الوظيفي ومنها عدم الانسجام مع بيئة العمل، وخاصة إذا توقع الموظف عند تعيينه شكلا معينا لبيئة العمل من حيث المعاملة وطريقة العمل والعدالة،فيفاجأ بشكل مغاير لما توقعه فوجد بيئة فيها تكتلات ومحاباة وتفريق بين الموظفين، تشعره بغرابة وجوده بينهم فيؤثر على أداءه ويدفعه ذلك للبحث عن بيئة أخرى مثالية تتناسب وطموحه ،كما أن عدم التوافق مع الوظيفة من الأسباب التي تدفعه للتغيير كأن يتم تعيينه في وظيفة لا تتوافق مع مؤهلاته ورغباته، ولا تلبي طموحاته الوظيفية ،ومن الموظفين من يرغب في التقدم الوظيفي، ولا يلمس بأن هناك مسارا وظيفيا واضحا يضمن له تقدما ملموسا ومحسوسا،فهذا مثار إزعاج وقلق بالنسبة له قد يدفعه للتغيير،كما أن غياب التقدير والتحفيز والاحترام للموظف من أكثر المحبطات له ولقدراته،وكما أن زيادة ضغوط العمل وعدم التوزيع العادل السليم للمهام والواجبات يسبب ضغطا نفسيا وعصبيا للموظف لا يستطيع تحمله، وهناك بعض القيادات ممن يغفلون عن التوجيه والإشراف السليم والمتفاعل مع الموظفين ،وهذا يخلق فجوة بينهم وبين موظفيهم،ويؤدي لانعدام الثقة المتبادلة بينهما بما يشكل حالة عدم ارتياح لبيئة العمل، كما أن شعور الموظف بعدم كفاءة مديره أو مسئوله الأعلى يجعله لا يثق في قراراته ولا بصوابية توجيهاته مما يؤثر على أداءه وهذا من مظاهر الضعف في القدرات القيادية في بعض الوحدات الإدارية ، فيخلق حالة من التذمر لدى موظفي تلك الوحدات، ويغيب عن بعض المدراء أهمية مشاركة الموظفين في صنع القرار، بل يتعاملون معهم كمنفذين فقط،فهذا الحرمان من المشاركة لا يلبي طموحات الموظفين الطموحين مما ينعكس سلباً على الأداء والإبداع لديهم، ومن المسببات أيضا عدم ثقة الموظف بوجود برامج وخطط تدريبية تلبي طموحاته،وضعف وعدم انتظام وعدالة الترقيات والمكافآت للموظفين ،فهي عوامل في مجملها مدمرة للموظف ولتطلعاته الوظيفية،وهناك عدد من الموظفين ممن يرغبون في الهروب إلى العمل الحر والانفكاك من ضغوط وضوابط العمل والبيئة المنفرة للتفرغ لأعمالهم الحرة،ومن الموظفات من ترغب ولأسباب أسرية ونفسية في العودة إلى بيتها فيقدمون استقالاتهم أو يحيلون أنفسهم إلى التقاعد المبكر، وخلاصة القول أن أسباب النزف الوظيفي هي عديدة ، ولكن على المؤسسة دراسة أسبابها الحقيقية لوقف هذا النزف أو التقليل من آثاره بخلق بيئة أكثر جذباً وتحفيزاً ،وزيادة الثقة بأهمية العنصر البشري كأصل حقيقتي وعامل أساسي من عوامل تحقيق النجاح والتميز.