كان القراران اللذان أصدرهما خادم الحرمين الشريفين قبل ثلاث سنوات سابقة تاريخية في مسيرة المرأة في المملكة، حيث دخلت المرأة بموجب أحدهما مجلس الشورى عضواً كامل العضوية، فيما فتح الثاني الباب أمامها للمشاركة في المجالس البلدية ترشيحاً وانتخاباً، وهما قراران لقيا - في حينه - ترحيباً حاراً من المنظمات الدولية كافة، وفي مقدمتها الاتحاد البرلماني الدولي وهو أكبر منظمة تحظى برعاية دولية. وقد تبع ذلك دخول (30) امرأة إلى مجلس الشورى يمثلن النخبة النسوية في المجتمع السعودي، لكن الأهم من ذلك أن هؤلاء النخبة وبعد عام من جلوسهن على مقاعد مجلس الشورى اتسم بالمراقبة والمتابعة، لينتقلن بعدها إلى حضور فاعل في المداولات والنقاشات والمحاسبة من خلال التعليق والنقد لتقارير الأداء السنوية للجهات الحكومية، بل إن هذه المشاركة الفاعلة امتدت لمناقشة الاتفاقات الدولية التي تعقدها حكومة المملكة مع الدول الأخرى، إضافةً إلى مناقشة الأنظمة واللوائح، سواء ما يطرح منها لأول مرة أو ما تتم إعادة النظر في بعض مواده وتعديلها أو الإضافة عليها.
والمتتبع لنشاط عضوات المجلس بعد ذلك يلاحظ توجهاً حثيثاً نحو مراجعة الأنظمة واللوائح والقرارات السارية حالياً، والتي تتعلق بشؤون المرأة وحقوقها وواجباتها، في محاولة لتعديل هذه اللوائح والأنظمة بما يحقق مصالح المرأة ويستجيب لاحتياجاتها، ومن تلك الأنظمة نظام الأحوال المدنية والجوازات ووثائق السفر، وكذلك ما يتعلق بالمجال المالي والاستثماري، مع حرصهن ألا يؤثر ذلك سلباً على مشاركتهن في مناقشة الأنظمة المتعلقة بالشأن العام، وخاصةً في المجالات الاجتماعية والتربوية والصحية. ومن الأمثلة التي تناقلتها الصحف عن ذلك مقترح إحدى العضوات بشأن (نظام البحث العلمي الصحي الوطني) الذي سيكون عند تقديمه أول نظام تتقدم به عضوة في المجلس بموجب المادة 23 من نظام مجلس الشورى، ومن ذلك أيضاً مقترح آخر يهدف إلى تعديل نظام رعاية المعوقين، والمقترح الذي تقدمت به عضوة أخرى وتمت الموافقة عليه، كتوصية إضافية على تقرير وزارة الصحة وتتعلق بالرعاية الصحية للمسنين، وتوصية أخرى تتعلق بشروط قرض الصندوق العقاري ومساواة المرأة بالرجل في شروط الحصول على قرض الصندوق، إلى جانب ما تقدمت به إحدى العضوات حول إقرار إدخال الرياضة في مدارس البنات، كما أن من اللافت للنظر نجاح العضوات في دفع المجلس لمناقشة وضع رئاسة الحرمين الشريفين وبعض نواحي القصور؛ وصولاً لإعداد إستراتيجية متكاملة لرعاية الحرمين الشريفين بشكل ملزم ومحدد، وتوظيف الحلول التقنية فيما يتعلق بترجمة الخطب والصلوات. إن ما ذكرناه يمثل جزءاً من إنجازات المرأة في بداية عملها في المجال البرلماني الذي دخلت إليه منذ فترة قصيرة وليس كل الإنجازات، وهي توضح مشاركتها الفاعلة في أعمال المجلس ومناقشاته ولجانه المتخصصة، إلى جانب مشاركاتها في المؤتمرات والمنتديات البرلمانية الخارجية، وتقديم البحوث وأوراق العمل في شئون المرأة وحقوقها ولا سيما الاتحاد البرلماني الدولي، كل ذلك يؤكد من جهة سلامة قرار خادم الحرمين الشريفين بدخول المرأة في مجلس الشورى عضواً فاعلاً كامل العضوية، وهو قرار يأتي في سياق منظومة من خطوات الإصلاح والتحديث التي تتخذها المملكة في شؤون المجتمع والدولة، كما يؤكد من جهة أخرى قدرة المرأة السعودية على ارتياد هذا المجال كما ارتادت غيره من المجالات، وأنها أهل للثقة التي توليها لها القيادة والمواطنون، وتحقيق المزيد من المنجزات في المستقبل - بإذن الله -.