لم تكن المرأة الدمشقية أو السورية من أصغر قرية إلى أكبر مدينة كما تصورها المسلسلات السورية، خاضعة للتسلط الذكوري، ثرثارة، خانعة، بلا رأي، خلقت للمطبخ ولزوجها فقط.
لماذا ابتعدت الدراما السورية عن ذكر دور المرأة الدمشقية ومكانتها في المجتمع؟ المرأة الدمشقية كما نعلم جميعاً هي من أمثال: نازك العابد، ثريا الحافظ، ماري العجمي، قمر كيلاني، سلمى الحفار الكزبري، برلنته العظم، زينب القوتلي، هيفاء كردي، زينب الحمصي، أم الخير العظم، أمل الجزائري، عادلة بيهم الجزائري، فائزة العابد، أمل الخاني، قمر قزعون شورى، نجاح العطار، كوليت الخوري، مديحة العنبري، بديعة الحسني الجزائري، شهيرة مراد، وماري قطينة، وألفة عمر باشا، القائمة تطول.
المرأة في الدراما الشامية
عشرات بل مئات من الأعمال الفنية أُنتجت خلال السنوات الماضية عن البيئة الشامية، وفتحت الجدل واسعاً حيال مدلولاتها الاجتماعية لناحية موقع المرأة في المجتمع الدمشقي أو في المجتمع السوري برمته، ومفهوم الرجولة والعلاقة بينهما. فنساء المسلسلات الشامية، يمثلن نماذج تسكن مخيلة شريحة من الرجال في سورية والدول العربية، إذ إن جمالهن الخارجي والطاعة العمياء لرجالهن (الزوج والأخ) دون نقاش أو جدال، هما حلم هؤلاء الرجال. وهذا قد يكون سبباً من أسباب نجاح المسلسل ذكورياً «إن صح التعبير» لدى هذه الشريحة. أما الشريحة الأخرى رغم متابعتها لهذه المسلسلات فقد قامت قيامتها ولم توافق على تجسيد المرأة الدمشقية بهذه الصورة المهترئة، فقد أثار مضمون المسلسلات سخطاً كبيراً في الكثير من الأوساط الاجتماعية، وخاصة النسائية الدمشقية التي اعتبرتها تكرس نموذج الرجل الشرقي المتسلط والمرأة الخانعة والخاضعة التي لا كلمة لها إلى جانب كلمة الرجل، بدلاً من النموذج الصحيح والذي يظهر المرأة والرجل كعنصرين فاعلين ومتكافئين في الواجبات والحقوق، لكل منهما شخصيته المستقلة وآراؤه الخاصة، وخاصة أن العديد من السيدات الدمشقيات لم يزلن على قيد الحياة وعشن واقعاً مغايراً للمرأة في هذه المسلسلات، أو سمعن من أمهاتهن وجداتهن عن واقع المرأة الدمشقية المخالف لما صورته مسلسلات البيئة الشامية، من أن المرأة هي للطبخ وتنظيف البيت وللطلاق والبكاء و.. هذا السخط النسائي على هذه الأعمال لم يشمل المرأة وحدها بل تضامن معه شريحة كبيرة من الذكور..
يحزنني أن المسلسلات الشامية أغفلت كل النساء اللواتي كان لهن حضور سياسي وثقافي في الشارع السوري، وأغفلت الشباب المثقف وطلاب العلم.. وغيبت المرأة الدمشقية. لقد كانت مسلسلات البيئة الشامية غير لائقة بتاريخ الدراما السورية وتسيء أحياناً كثيرة لهذا الفن وصناعه لأنها تقدم هذه البيئة الحضارية بطريقة مشوهة تسيء لتاريخ المجتمع الدمشقي... أعمال البيئة الشامية لم تقدم تاريخ دمشق الحقيقي الغني فكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وكان الصراع الأبرز على الصورة التي قُدمت فيها المرأة والدور المناط بها في الأسرة الشامية، عبر إظهارها مجرد امرأة ثرثارة، حياتها مكرّسة للأحاديث الفارغة والمبالغة في استرضاء زوجها، مع وجود بعض الاستثناءات القليلة في هذا المجال. فنهاد قلعي ودريد لحام منذ عشرات السنين حين أرادا تقديم المرأة الدمشقية قدماها امرأة صاحبة رأي وصاحبة فندق يعمل لديها مجموعة من الرجال أنها امرأة مستقلة اقتصادياً فهل كل المسلسلات الشامية بعد ذلك قدمت لنا امرأة مثل «فطوم»!؟.
الدور الحقيقي للمرأة الدمشقية كما هو معروف عبر التاريخ بأنها عنصر فاعل في المجتمع وناشطة سياسياً وفكرياً واجتماعياً.
حال المرأة الدمشقية
يحضرني هنا العديد من نماذج واقع المرأة الدمشقية، ولن أتكلم عن النساء الشهيرات في تاريخنا، فكل تلك النساء قد حفظن تاريخهن المشرف عن ظهر قلب، إنما أريد أن أتحدث عن نماذج من نساء دمشق عشن في الفترات الزمنية لتلك المسلسلات ولم يرد ذكرهن في كتب التاريخ أو أي كتب أخرى إنما حفظتهن الذاكرة الشعبية التي كان من المفروض أن يدخل القيمون على أعمال « البيئة الشامية « لهذه الذاكرة الشعبية لرسم الصورة الحقيقية للمرأة الدمشقية وعدم الإساءة إليها.. أذكر بعض النماذج التي عرفتها في عائلتي، فوالدة زوجتي روت لنا أن إحدى قريباتها، وهي من مواليد عام 1876 م، وبعد عقد قرانها دخل عليها زوجها فشاهدها تدخن سيكارة، فانزعج وطلب منها عدم التدخين فكان جوابها: ما دمت تدخن الأركيلة فمن حقي أن أدخن سيكارتي!
وأذكر أن خالتي كانت معروفة في أسرتها وحيها أنها صاحبة الرأي السديد وأهلها وأهل حيها نساءً ورجالاً كانوا يأخذون برأيها في كل أمر صعب أو مشكلة تعترضهم، أنها صاحبة الرأي في كل شاردة وواردة.
كما أن شقيقة جارتنا في المنزل وهي من مواليد عام 1923 تحمل الشهادة الابتدائية (سرتفيكيا) وكانت موظفة في إحدى المؤسسات العسكرية بدمشق وتقود سيارتها الخاصة ووالدتها كانت من مواليد عام 1899 وأيضاً كانت تحمل شهادة الابتدائية، وتزخر الأسر الدمشقية بالنساء المتعلمات، ولكن المسلسلات أغفلت كل ذلك وأغفلت أيضاً دور الشباب المتعلم والمثقف فكل أبناء الحي يعملون (أُجراء) في محلات آبائهم فهنالك أجير الخباز وأجير حلاق... ولم نر أياً منهم يتابع دراسته رغم أن جامعة دمشق قد مضى على نشأتها حتى الآن نحو قرن من الزمان. لم تكن المرأة السورية بعيدة عن الهم الوطني.. فحين أعلنت الثورة السورية الكبرى ضد المحتل الفرنسي عام 1925، كانت المرأة السورية بجانب الرجل في الدفاع عن الوطن فكانت في الحقل والجبل والشارع تقف في وجه المستعمر.. ولم تزل حارات وأزقة دمشق تشهد على تظاهرات النساء ضد الانتداب الفرنسي. ويسجل لنا التاريخ أن دمشق استضافت في مطلع عام 1930 المؤتمر النسائي الشرقي الأول، بحضور وفد من نساء سورية برئاسة نور حمادة، وأن محاكم دمشق في ظل الانتداب الفرنسي ولأول مرة شهدت محاكمة النساء لقيامهن بمظاهرات ضد الانتداب الفرنسي، ومطالبتهن بالاستقلال وخروج المستعمر الفرنسي... ففي يوم 17 تشرين الثاني من عام 1934، خرجت نساء دمشق بمتظاهرة انطلقت من مسجد الأقصاب وطافت شوارع دمشق وهن يحملن لافتة كتب عليها ( نحن فتيات العرب، ليحيا الوطن.. ليحيا الوطن) وينادين بالحرية والاستقلال...
وأريد القول وفي الفم الملآن هذا الحجاب و«الملاية السوداء» التي يغطسون به المرأة السورية من رأسها لأسفل قدميها ليست الصفة العامة للمرأة الدمشقية ولا للمرأة السورية بشكل عام، فمواقع نت وصفحات التواصل الإجتماعي والارشيف لدى المهتمين بتاريخ المرأة السورية يغص بصور المرأة السورية ومن كل المحافظات السورية في فترة الاربعينيات والخمسينيات وحتى الثلاثينيات من القرن الماضي بصور نساء سورية وهن غير غاطسات في السواد!؟
هذه هي المرأة السورية
كانت ولم تزل المرأة السورية سباقة في كل المجالات، وتسعى على الصعد كافة لتحقيق ذاتها والمساعدة في صون وحفظ بلدها. لذا في تلك الأيام القديمة التي تقع ضمن فترتها الزمنية أغلبية الدراما الشامية، كانت المرأة الدمشقية والسورية عموماً تضاهي مثيلاتها في العالم، فنقرأ في تلك الأيام على سبيل المثال لا الحصر أن أول مؤتمر للمرأة الشرقية عقد بدمشق وكان ذلك منذ اكثر من ثمانين عاماً، في وقت لم تكن العديد من الدول «الشقيقة» قد ظهرت على الخريطة الجغرافية، فالمرأة إلى هذه اللحظة في عدد من الدول العربية تعاني الأمرين! وهي محرومة من أبسط حقوقها السياسية والاجتماعية والإنسانية، في حين كانت المرأة السورية منذ البدء المرأة الحضارية التي يضرب بها المثل.. فهل أتى أي من المسلسلات الشامية من قريب أو بعيد على ذكر هذا المؤتمر!؟ بالله عليكم ارفعوا أيديكم عن الدراما الشامية وافتحوا الباب على مصراعيه للمرأة الدمشقية لتكتب عن تاريخها وتاريخ جداتها..