عزيزي الانسان ،، ماذا لو احسست ان احدا بحاجة ليبكي على كتفك ويفرغ ما في قلبه من احزان ، ترى هل تعيره كتفك للحظات ليبكي عليها ؟؟
كانتا صديقتين حميمتين منذ سن الشباب تزوجتا وانجبتا وبقيتا على صداقتهما المميزة حتى تجاوزتا خريف العمر ،، رحلت احداهما الى ربها ، فجزعت عليها صديقتها اشد الجزع ، وبكتها بحرقة .
في آخر يوم من ايام العزاء وعند حلول ساعات المساء ، اوشك المجلس ان ينفض ولم تبق الا بضع سيدات جالسات ، جالت المراه المسنة بنظرها في ارجاء المكان ، ربما هذه هي المرة الاخيرة التي ستزور فيها هذا المنزل ، فليس هناك من مبرر لزيارته وكل من بقي فيه هو ابن صديقتها المتوفاة وعائلته ،، تخيلت صديقتها تبتسم لها من زوايا المنزل التي تعودتا الجلوس فيها واحتساء القهوه . تعمدت التلكؤ عند مغادرتها ، ظلت تسلم على من تعرفه ومن لا تعرفه ، بينما بقيت عيناها حائرتان لا تكادان تستقران في محجريهما وكأنهما تقولان هل من احد يحس بألمي ؟ فجأة نهضت صبية من بين الحضور وبدون تردد احتضنت المرأة بذراعيها وفي اقل من ثانيه القت المرأة رأسها على كتف الصبية واجهشت ببكاء مر للحظات ، ثم استعادت هدوئها واتزانها وشكرت الصبية وغادرت بعد ان اطمأنت نفسها ..
الصبية لم تكن على سابق معرفة بالمراه ، ولكنها التقطت رسالتها الصامتة وبادرت باحتضانها ورضيت ان تكون حاضنة لدموعها ، فكم واحد منا مستعد لالتقاط مثل هذه الاشارة وابداء روح التعاطف والشفقة مع من حوله .
عزيزي الانسان ،، ماذا لو احسست ان طفلا يعيش بين ابويه واهله ، ولكنه لظروف فقره محروم من الرفاهية البسيطة كالنزهات او تناول وجبة في مطعم ، هل تبادر وتهبه لحظات متعة بريئة ، حتى لو انفقت عليه من مالك ؟؟ ان للانسان حاجات ورغبات اذا لم يحصل عليها في اوانها المعتاد فانها لا تعني له شيئا بعد ذلك ، وقد قال احدهم ذات مره ( ونحن صغار لا نستطيع ان نبلغ رف الحلوى ، وعندما نكبر نكون قد زهدناها) .
كان رجلا من الطبقة المتوسطه يعيش حياة مستقرة مع زوجته وابناءه ، ذات يوم كان يزور عائله تمت له بصلة قرابة بعيده ، ودار النقاش حول اين سيقضي عطلة العيد فاجاب بأنه يفكر ان يأخذ عائلته الى البحر لقضاء العطلة ، فجأة التقط بطرف عينه ايماءة حزن بدت على محيا ابنهم ، لم يدع احدا يلحظ شيئا ، ادرك بحساسيته الفطريه ان الطفل يتوق لرحلة بحريه ، فهو لم يشاهد البحر في حياته ، ومثل هكذا رحله ستكلف اهله مبالغ لا يمكنهم تحملها وهم بالكاد يستطيعون تأمين ضروريات حياتهم .
فجأة خطرت للرجل فكره ، فاقترح على اهل الطفل ان يصطحبه معهم في رحلتهم ، وقبل ان يفكروا ويبدأوا بالتساؤل ، اردف قائلا : نحن اقارب ولكننا لا نتواصل مع بعضنا البعض الا في المناسبات ، وابنكم في عمر مقارب لابنائي وارغب في خلق جسور صداقة بينهم ليكبروا معا ويؤازر بعضهم بعضا . هكذا استطاع ان يحقق رغبة الطفل دون ان يجرح مشاعره او مشاعر ابويه .
بعد مضي عشرين سنه او اكثر ، ما زال الطفل الذي كبر واصبح رجلا ، ما زال يتذوق طعم لحظة جنون طفوليه عندما لفحت وجهه نسمات بحريه وهو يطير ذهابا وايابا فوق ارجوحة على شاطىء البحر .