الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

إيجابيات احتضان الأم لطفلها

  • 1/2
  • 2/2

إن عناق الأم لطفلها أمر مطلوب، لأن اللمس طريقة ممتعة ومباشرة للرؤية والاتصالات، ولأن العناق يؤكد للأطفال أنهم محبوبون ومقبولون، فالطفل يبحث عن الحب في بطن أمه وفي عالم النور وفيمن حوله. والعناق ضروري فقد اعتاد العناق منذ بدء تكوينه حتى وَضْعِهِ في انقباضات الرحم أثناء الوضع، وقد بينت كل الأبحاث أن ضم الطفل وعناقه يشعره بالأمان، ويزيد عدد دورات النظم الحيوية في جسمه، وإذا أهملت الأم هذا الاحتضان نشأ عنه مخاطر نفسية وجسدية، لأن الطفل الذي يحرم من الأحضان الدافئة من الأم أولاً .. ومن الأب ثانياً.. ينشأ منعزلاً بدرجة كبيرة.. ومتشككاً. . ومتخوفاً من كل ما حوله، وما يتصل به،.. ويفقد الثقة بنفسه وبالآخرين، ويصبح بطيء الفهم والتعلم. وقد يصاب بالاكتئاب النفسي.. ذلك أن غياب الاتصال الجسدي والعاطفي، وحضن الأم الممتع والتربيت على الوجه والجسد.. إضافة للعناق والحنان والقبلات والملاطفة والمداعبة والحمل، يؤدي إلى خلل نفسي قد يحمل معه بعض الحالات المرضية نفسياً.
(لقد تتبع الأطباء الإنكليز أثناء الحرب العالمية الثانية حالة مجموعتين من الأطفال، إحداهما تربَّت في حضانات تتوفر فيها شروط ممتازة من ناحية الصحة والغذاء، ولكنهم كانوا بعيدين عن أمهاتهم، والمجموعة الثانية تربت في السجن وبالطبع في ظروف عسيرة، لكنهم كانوا مع أمهاتهم، وقد دلت الخصائص البدنية والعقلية والنفسية لأطفال المجموعة الثانية، عندما صاروا بالغين على أنها أغنى بكثير من خصائص المجموعة الأولى، وتسير الأمور وكأن الطفل يمتص صوراً من والديه، وهو يستبطن هذه الصور ويوحد بينها وبين ذاته، وذلك منشط نفسي لبنائه الذاتي، وفي نفس الوقت إحساس بالأمن بإرضائه حاجاته).(12)
إن للطفل الصغير شخصيته المميزة، وصفاته الخاصة به، وكذلك أحاسيسه، شأنه في ذلك شأن كل واحد منا يقول الدكتور «إدن» مدير قسم الأطفال في جامعة بروكلين: (إن الأطفال الصغار يرون ويسمعون، ويتجاوبون مع الوسط المحيط بهم بشكل أفضل مما يتصوره الكثيرون). حتى أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الطفل الخديج بعد الولادة يستطيع رؤية الوجوه القريبة منه، وبعد الولادة بساعات يكون قادراً على توجيه نظره إلى الأشكال المتحركة بدلاً من الثابتة، وأنه قادر على تمييز الروائح والتذوق وتمييز الأصوات المختلفة (الناعمة منها والمزعجة)، حتى أن أحد التقارير يشير إلى قدرة الطفل على تمييز أمه عن غيرها من رائحة جسدها. ويميز صوت أبيه الذي سمعه في الشهر الثامن من الحمل.. وبعد ولادته أُسمع العديد من الأصوات فلم يبد اهتماماً بها، فلما سمع صوت أبيه انشرحت أساريره وابتسم، وأشار أحد التقارير إلى قدرة الطفل على تمييز صراخه المسجل على شريط من صراخ طفل آخر.
أو لعل أهم ملاحظة وردت في هذه الأبحاث هي قدرة الطفل على تقبل التعلم منذ أن يولد، وأن تحليل الصوت المسجل على شريط يشير إلى أن الطفل بعمر يوم واحد كان يتحرك بالتناسب مع الأصوات حوله، يُستدل من كل ما سبق أن الطفل الصغير ككل المخلوقات يحتاج إلى الإعالة، ويحتاج لأمور أخرى لتأمين سعادته غاية في الأهمية ومنها:
1- سحر الملامسة:
    إن حضن الأم الدافئ ولمستها الحانية، وإحاطته بحنانها وعطفها، قد تكون أهم للطفل من إرضاعه وتغذيته وحتى من الهواء، حيث تلتقي كل الدراسات التي أُجريت وفي مختلف أنحاء العالم، في أن الأطفال الذين يحاطون بقسط وافر من الرعاية وبمزيد من الحمل ولا سيما في الأشهر الأولى بعد الولادة يكونون أقل صراخاً وأكثر ارتياحاً، وينمون بشكل أفضل، في حين أن الذين لم ينالوا هذه الرعاية وهذا الحنان يتأخرون في نموهم.
    وقد جرت دراسة على عدد من الأطفال الخدج «غير مكتملي النمو» حيث جرى تدليكهم يومياً ولمدة عشرة أيام، وبالمقارنة مع مجموعة أخرى من الخدج لم يدلكوا، لوحظ أن أطفال المجموعة الأولى كانت أوزانهم تزداد كل يوم وكانوا أكثر نشاطاً وانتباهاً لما حولهم، وتم تخريجهم من المستشفى قبل المجموعة الثانية بستة أيام.
    لذلك ننصح الأمهات بأن يمسحوا على رؤوس أطفالهم: ويداعبوا خصلات شعرهم، ويقبلوا وجناتهم، ويضموهم إلى صدورهم قبل ذهابهم إلى المدرسة، فهذا كله يؤدي للنشاط، ويجعلهم يستقبلون يوماً سعيداً، ويذهبون إلى المدرسة مرتاحين متفتحي الذهن، ويتقبلون العلم والمعرفة.. ويتعاملون مع أقرانهم بوداعة وهدوء.
    قالت إحدى الأمهات: عندما يخرج ولديَّ إلى المدرسة صباحاً يقبلني الولد الأكبر ويودعني بابتسامة، أما الأصغر فينظر إليَّ في استحياء ولا يقبلني.. قلت لها: هو ينتظر أن تقبليه وتضميه إليك. وتودعيه ليتأكد أنك تحبينه كما تحبين شقيقه.
    لم يعد مجالاً للشك، أن الاتصال العاطفي الطبيعي خلال السنة الأولى من عمر الطفل.. يلعب دوراً هاماً وأساسياً في تنمية العلاقة بين الطفل وأمه، ويقرر «علماء النفس» بأن هذا هو أساس الصحة النفسية السليمة للطفل مستقبلاً.
2- الأصوات الإيقاعية:
    إن للأصوات المنتظمة الناعمة والبطيئة (كصوت ضربات القلب المنتظمة) التي كان ينصت لها وهو جنين في بطن أمه، لها تأثير مهدئ وممتع للطفل، وهو خير من الصمت حوله، ففي تجربة على
(24) مولود أحيطوا فيها بأصوات منتظمة وإيقاعية، كالصوت المسجل لضربات القلب أو صوت (المترونوم الرقاص الموسيقى أو الموسيقى الهادئة، أو صوت الهدهدة (لتنويم الطفل) وما يتبعه من أغانٍ أو ترانيم هادئة تؤديها الأم، تبين أن الأطفال قد تأثروا بها كثيراً. وكانوا أكثر هدوءاً وأقل بكاءً وتحركاً، وضربات قلبهم أبطأ، وتنفسهم أكثر انتظاماً، كما أن الأصوات المتكررة بانتظام كانت خيراً من الصمت على الأطفال.(13)
    لكن خير الأصوات التي تطرب الأطفال وتوجه انتباههم هو صوت الإنسان، ولا سيما الصوت النسويّ، وقد أثبتت ذلك الأبحاث التي تبين لها أن الأطفال بعمر لا يتعدى عدة أيام، يتجاوبون بشكل أفضل مع الصوت البشري من بين كل الأصوات الأخرى، وقد ثبت بأن الكثير من الأصوات ذات الإيقاع الصاخب، كذلك الضوضاء في البيوت لها تأثير سلبي على نمو الأطفال.
3- تجربة الحركة:
    يؤكد العلماء بأن تحريك الطفل (كالهز والتأرجح) يحدث تبدلات صريحة في الطفل المنفعل، وأن حمله والمشي به والتربيت على ظهره يهدئ من غضبه ،وقد ينشط نموه.
    وقد لوحظ أن الطفل الرضيع عندما يحمل يتوقف عن البكاء، ويفتح عينيه لينظر ويستطلع ما حوله. وفي هذه الحالة من الانتباه.. باستخدام النظر الهادئ.. فإنه يستطيع أن يميز والدته. ثم المحيط الذي حوله، بشكل أفضل مما لو ترك يبكي في فراشه.. وقد لوحظ أن هذا الأسلوب يمثل جانباً هاماً بالنسبة للتعليم المبكر.
    ولوحظ أن الوليد يستمد السعادة والبهجة والارتياح من وجه أمه، فيرصد فيه التعابير التي تجعله يبتسم ويفرح خصوصاً أثناء الرضاعة. وكذلك يعتاد على صوتها بسرعة، ويتلهف إليها بانتظار المتعة التي سيحققها من مجرد حضورها معه، ومن الصعب هنا الفصل بين عاطفة الوليد وعاطفة أمه، كأن مرآة بينهما فتنعكس الواحدة على الأخرى.
    (السيدة منى .. تحنو على محمد .. وهو ينتبه لها ويحدق بها باهتمام، وتنظر له بحنان.. وتبتسم بنعومة (تكاغي له) وتدغدغه، وتغني له وتسمعه ترانيم فيها كلمات المحبة والعطف والشوق.. تبعثها بعدة تكشيرات، يبعد محمد رأسه إلى الخلف ويتجعد فمه. وترصد ذلك الصوت الذي يحاول إخراجه تضحك الأم المفتونة بابنها.. تقلده وتشجعه على إعادة ما قاله.. تلح في ذلك وتهز رأسها، تقرب وجهها نحو الطفل الذي يوجه لها ابتسامة أولى وثانية ومن ثم يضج بالسرور..) إن متعة هذه المداعبات تطيل فترة الرضاعة، ومن خلالها تساعد الأم – بشكل غريزي – طفلها على إدراك مختلف أعضاء جسمه، إنها تأخذ كفيه الصغيرتين فتصفق بهما الواحدة على الأخرى، أو على وجهه وتداعب خديه وساقيه وبطنه، ثم تقلبه وتحضنه بشغف وفرح…
    في هذه المداعبات يتبادل الطفل وأمه العاطفة، فالأم تحرض وتعطي، والوليد يتلقى ويأخذ بشغف، ثم يرجع فيعبر عن فرحته لأمه، هذا التبادل العاطفي الشديد يشكل بحد ذاته مصدراً لنمو الطفل عاطفياً ونفسياً، والأطفال بحاجة ماسة لمزيد من الاهتمام والحنان والسرعة في الحمل والدغدغة والمناغاة، وإذا لم يحصلوا على هذا الحق الطبيعي فإنهم يصابون بحالات من القلق المبكر، ويصبحون أكثر عصبية وغير متعاونين.
4- الأكل والنوم:
    يحتاج الطفل بعد ولادته إلى شيئين ضروريين.. هما: الأكل والنوم، والاثنان مرتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً، فإذا أحس الطفل بمتعة الطعام إضافة إلى متعة التماس مع جسد أمه، فإنه يرضع برغبة وشهية، ثم ينتابه التعب فترتخي أطرافه، ويسلم نفسه لذراعي أمه، بعد أن يتدشأ (يخرج الغازات من فمه دليلاً على الهضم)، مرة أو مرتين فينشط هضمه، ويقوم بينه وبين أمه تبادل عاطفي، ويزداد دور الأم بالذات، فهو يشعر بمتعة سماع صوتها ورؤيتها والارتماء بين ذراعيها، وإن نبعت كلها من خلال هذه التغذية (الإرضاع) فإنها تصبح متعة بحد ذاتها.
    فإذا أشبعنا حاجته الغذائية،وتأكدنا من نظافة ملابسه، ووفرنا له المكان المناسب للنوم فإنه ينام الساعات الطويلة، ولا يستيقظ إلا عند حلول الرضعة الثانية، ويجب مراعاة أن يكون مكان نوم الطفل صحياً تدخله الشمس ويتخلله الهواء اللذان يلعبان دوراً هاماً في نمو الطفل النفسي والجسماني، ويجب أن لا تكون الغرفة مظلمة ولا ساطعة النور، كلا الحالتين تضايقان نوم الطفل.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى