ليست الزوجة العراقية صاحبة فندق ولا هي راعية مطعم, كما جعلها الزوج ان تكون كذلك. نعم ان بيننا من الازواج بل من الشباب العزب من ينظر الى البيت وكأنه فندق، يخرجون مبكرين الى اعمالهم، فاذا عادوا للغداء تناولوا في عجلة وصمت ثم انكفأوا الى الفراش ليناموا، وبعد ذلك يسرعون الى الخروج حيث القهوة واخوان الصفاء. ويعودون متأخرين الى البيت للنوم كذلك، فالبيت عندهم فندق للنوم ومطعم للغذاء والزوجة والأولاد لا يتمتعون بالمؤانسة والمسامرة التي هي من حقهم على الوالد، بل الوالد هنا ينسى واجباته نحو زوجته وابناءه , بل هو ينتهي الى ان يعتبر هذه الواجبات هي من شؤون الام. ثم تتفاقم هذه الحالة فيعتاد الزوج ارتياد المقهى او الملهى او النادي وكانه عهدُ لا يمكن الانفكاك عنه، ويعتاد قضاء وقت الفراغ بعيدا عن الزوجة، كأن الحالة هذه هي من طبيعة الاشياء، ثم تطفو بعد ذلك نتائج تتفاقم وتسوء مع الزمن.
اولها تتضائل المحادثة بين الزوجين بمرور الايام الى ان تنقطع، ويصير لكل منهما ما يتلهى به، سرا اوعلنا، وهذا هو الضرر البليغ في حد ذاته، لان الزوجة في حاجة الى ارشاد الزوج الذي تعلم في اغلب الحالات اكثر منها وعرف من الشؤون العامة والخاصة ما لم هي تعلم. فمن حقها ان تستنير بحديثه وان تنمو معه نموا ذهنيا وثقافيا. وهو حين يفعل ذلك يأنس بها، كما يجد اولاده ينتفعون بهذا النمو في تربيتهم، والزوجة العربية التي يتركها الزوج، وتقتصر معاشرته لها على المساكنة دون المزاولة، جديرة بان تتخلف عنه. ويزداد التباعد الروحي بمرور الزمن حتى تعود تشعر انها غريبة، فاذا تحدثت او اشتركت معه في مناقشة، كان لها عقائد خاصة وعادات خاصة واسلوب خاص في الكلام. ما تعطي الزوج صورة مغايرة عما رسمها في ذهنه عن حياة الاسرة ومباهجها ومسراتها قبل الزواج، فتتدهور الحالة الى اتعس، فيشعر الزوج بالآنفصال الروحي عن زوجته. و قد يتعرض الى مغريات عاطفية خارج نطاق البيت، تهز كيان الاسرة وقد تشتت شملها.
ان موضوع ترك البيت بهذه الصورة القاتمة يؤذي الاولاد، يحرمهم من الحنان و الاشراف و النصيحة الابوية ومن ميراث الثقافة والخبرة التي يجب ان يمتاز بها الآب. وهنا يحسن بالزوج ان يتريث قليلا، يتأمل و يفكر :
هل ان هذه الصورة تنطبق عليه ؟ وان يسأل نفسه : وهل هو يعيش في منزل ام في بيت ؟ علما ان المنزل يعني مبنى الدار، بينما البيت يعني (المبيت) اي الاسرة التي تجمع بين اعضائها رابطة الدم والمحبة والعاطفة.
اذن على الزوج ان يعامل زوجته و كأنها صديقته، يقصد الى تنويرها وتثقيفها بالكتاب والجريدة والمجلة ومرافقتها الى الاطراف الاجتماعية الرفيعة ؟
لسنا ننكر انه يشق احيانا على الزوج ان يحمل زوجته على النمو الذهني، لانها قد لم تكن قد حصلت على ثقافة، تمكنها مسايرة زوجها في تطبيق ارشاداته. ولكن عليه ان لا ييأس بل يثابر فأن البذرة التي يزرعها سوف تنبت يوما و يجد عندئذ في زوجته زميلة يشتاق الى حديثها ومصاحبتها .
فلكي نجعل منازلنا بيوتا نحبها ونؤثر الراحة فيها على المقهى او النادي او الملهى، يجب ان نثقف زوجاتنا اولا حتى يرتفعن الى المستوى المنشود فنشترك معهن في هموم وشؤون تربطنا. وبدلا من ان نترك الزوجة في البيت ونذهب الى صديق في المقهى، نتحدث اليه عن الشؤون السياسية واحوال المجتمع، يكون من المفضل ان نبقى في البيت ونتحدث بهذه المواضيع الى زوجاتنا، فبهذه الطريقة، تستطيع الزوجة ان تتعلم وبهذا الاسلوب نبدأ نستأنس بحديثهن تدريجيا الى جانب شعورنا بالسعادة في وجود الأولاد من حولنا. علما ان وجود الوالد في البيت يفرض على الأولاد عدم خروجهم الى الزقاق مما يساعد هو الاخر على تقوية الروابط الروحية و التماسك الآسري.
يجب بعد ذلك ان نجعل البيت حاويا للكثير من المسليات التي تغري اعضاء العائلة في البقاء في البيت. وهذه المسليات تختلف باختلاف القدرة المالية. فأن الاسرة الثرية تستطيع ان تشتري مثلا مائدة البليارد اما الآسرة متوسطة الحال اقتصاديا يمكنها ان تقتني صندوق النرد او الشطرنج ويا حبذا لو كان بمقدورهم ان يشتروا الة العود او الكمان او البيانو او غيرها من الادوات الموسيقية لتكون سلوة سامية لآحد اعضاء العائلة او لهم جميعهم . ثم ان هناك هوايات مختلفة تغري المكوث في البيت مثل زراعة الخضر والزهورالى جانب ملعب في الحديقة.
والزوج الراقي لا يمكنه ان يستغني عن مكتبة وهو يحسن اذا جعل من نفسه مستشارا فنيا يشير على زوجته واولاده باختيار الكتب التي ترفع من ذهنيتهم، على عكس الزوج غير المتعلم الذي يصرف المال لكأس من الخمرة ويضن به على ابنه لشراء كتاب يفيده - - - صحيح انه هنا يجد ركودا مؤلما من الزوجة التي لم تتعلم، لكن عليه ان يثابر ولا بد ان يظهر لمجهوده اثرا ايجابيا في المستقبل كما ان عليه من وقت لاخر ان يحمل اعضاء اسرته على نزهة مفيدة، الى حديقة عامة او الى بستان او الى شاطئ نهر، فان الفائدة هنا لا تقتصر على ما يعود على الصحة الجسمية من الحركة والتنزه بل ان هناك فوائد روحية اخرى، فحين يكون الزوج بين اولاده، يأنسهم، يشعر بالسعادة تغمره بمثل ما تشعربها زوجته.