مع بداية إجازة الصيف سنشهد ظهور حالات كثيرة لشباب وفتيات على حد سواء يعانون وقت فراغ كبير دون وجود أي خطة لاستثماره أو هدف يسعون الى تحقيقه، وغني عن القول أن الفراغ يعتبر محرك للأفكار السلبية والمشاكل وحتى الانحراف الأخلاقي والانجراف في ارتكاب الجرائم.. فالشباب والفتيات عندما يشعرون بالملل مع امتلاكهم الطاقة والحماس و مع أفكارهم التي تظهر بشكل سلبي فتعزز داخلهم أنهم ضحايا ووحيدون ومتألمون نفسياً حتى يقتنعوا تماماً أنهم أشد مخلوقات الله نحساً وتعاسة! وعندما يندمجون في المجتمع فإنهم يكونون مشحونين بطاقة للعمل والحركة لكن هذه الطاقة تذهب في افتعال المشاكل والشجارات لأنهم ببساطة لا يعرفون شيئاً آخراً ليفعلوه، إنه الفراغ! رغم كل هذا يقول سقراط: "وقت الفراغ أثمن ما نملك!" وفي المجتمعات المتقدمة نجد أن هناك تلازماً بين وقت العمل ووقت الفراغ ولا يمكن اعتبار أحدهم أقل أهمية من الآخر ذلك لأن وقت الفراغ يتم استغلاله واستثماره لدعم وتنمية الفرد الذي يقوم بأي عمل. في هذا السياق قال ابن خلدون في كتابه "عوامل بناء الدولة": إن الجهود التي يبذلها أبناء أي مجتمع من أجل بناء دولة قوية ومتماسكة يمكن لها أن تفرض نفسها في دوامة الوجود الإنساني وأن تصنع دولة مستقرة مستفيدة من طاقات أبنائها لكن في غياب الجهد والعمل يبدأ الوهن يدب في أوصال الدولة، حيث يتوجَّه أفرادها إلى اللهو والتمتع بعيداً عن الطموحات التي دفعتهم لبناء دولتهم، وهنا لا يجد الأفراد ما يشغلهم، فيدخلون المتاهة، تاركين المجال للأمراض الاجتماعية بالتفشي.
إذن من وجهة نظر علم الاجتماع يعتبر الفراغ خطراً قد يهدد استقرار المجتمع ولكنه أيضاً يعتبر مفتاح التطور والتقدم إذا ما تم استثماره بشكل صحيح للنهوض بالوطن.. وكما هو معروف امتلاك الشباب والفتيات للطاقة الحماس والرغبة بالعمل الحركي يدفعهم للبحث الدائم عن وسائل تقتل الفراغ الذي يمرون به لذلك يعتبر من الذكاء استغلال هذه العقول المتحمسة والباحثة عن الإنجاز.. لا أنكر أن الإنسان يحتاج وقتاً للاستراحة والشعور بأن لديه وقت لا يعمل فيه أي شيء.. ولا يشعر بأي ضغوط نفسية فلقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 أن لكل إنسان حقٌ في الراحة وأوقات الفراغ. ومن المعروف أن الإنسان يحتاج لفترة يتجدد فيها نشاطه ويصفي ذهنه من كل المشوشات التي مر بها.. لكن عندما يكون وقت الفراغ هائلاً وطويلاً ومن يملكه هم فئة منتجة ومتحمسة كالشباب والفتيات يصبح الموضوع أكبر وأخطر من مجرد وقت للتأمل وتصفية الذهن.. فمن المهم إيجاد ما يشغل هذه الفئة بطريقة تحقق رغبتهم بالحركة والشعور بالإنجاز وأيضاً رفع اسم الوطن والرقي بالمجتمع.. وهذا في ظني يحصل بافتعال برامج ثقافية تزيد وتنمي الحصيلة العلمية والمعرفية وتدشين مراكز شبابية ونسائية للرياضة بمختلف أنواعها وغيرها من الاقتراحات..
وكما قال ليوناردو دفنشي: الطريقة الوحيدة لتجنب التعاسة هي أن لا تجد وقتاً تتساءل فيه إذا ما كنت تعيساً أم لا!.