الحوار والنقاش فن، وعلى الأقل بات في عصرنا الحاضر حاجة للجميع، بطريقة أو بأخرى يسعون لتعلم أساليبه الصحيحة وطرقه المتعددة ومعرفة أسراره، ذلك أن طبيعة الحوار أو الهدف منه تقديم فكرة أو إقناع الطرف الآخر بوجهة نظرك، وتزداد أهميته وطريقته الصحيحة تبعاً لأهمية الموضوع الذي تم طرحة للنقاش والحوار حوله.
وظهرت مدارس عدة ومتنوعة تتبنى أطراً ومعارف تتعلق بالحوار وفنونه وكيفية إدارته، بل وكيف يتم تداول الحديث خلاله، فهناك من يركز على أهمية تحديد النقطة التي سيدور حولها الحوار، وبالتالي الإلمام بكافة جوانبه، فضلاً عن الحماس له، على ألا يقودك الحماس لإقناع المتلقي للغضب أو الخروج عن الطور الطبيعي، بل يجب محاولة تفنيد الفكرة المضادة بالحجج والبراهين وتوضيح سلبياتها، وهذا لا يأتي إلا بفهم صحيح وموضوعي، وهناك من يركز على أهمية أن يكون الطرف الآخر في الحوار عقلانياً ويتميز بالمنطقية والهدوء وعدم الصراخ أو العصبية، وهو ما يعني أن تكون ثقافة هذا الطرف متميزة وهمه الحقيقة أو التفاهم لا الانتصار وعلو صوته في النقاش.
وهذا لا يعني الاستغناء عن التحضير والتجهيز للنقاش حول النقطة أو الموضوع مثار الحوار، بل من الأهمية ترتيب الأفكار وتنظيم الأولويات خلال جلسة النقاش، وفي هذا السياق أتذكر ما قاله المفكر الفرنسي أندريه موروا:" أصعب ما في النقاش ليس الدفاع عن وجهة نظرك، بل معرفتها"، وقد تفاجأ بنقد أو حجج وبراهين تحاول تفنيد فكرتك أو التقليل من قيمتها، فلا تأخذ الموضوع على محمل شخصي أو تعتبره موقفاً عدائياً، بل تقبله واعمل على رد الحجة بالحجة وتقديم البرهان أمام البرهان، فهذا الذي يقوي موقفك، وبالتالي لا تتجاوز النقطة الحالية ومسار الحديث حتى تتمها وتنهي كافة جوانبها، فقد يفسر انتقالك لموضوع آخر في الوقت الذي لم يحسم الموضوع الأول بأنها محاولة هروب بسبب ضعف موقفك.
وأنت في خضم هذا النقاش لا تفقد الهدوء وتحلَّ بالصبر، لأن العكس سيفسر باعتباره ليس ضعفاً في شخصيتك وحسب وإنما بأنه ضعف في حجتك أيضاً، وليكن الصبر حليفك الأقوى، وبالتالي لا تتردد في الشرح بل والاستفاضة، ولا تنس أن تستخدم كلمات مناسبة وبسيطة وجملاً لا تحتمل التأويل بل حتى كلمات وأفكار الطرف الآخر نفسه، و يقول الفيلسوف ديل كارنيغي:" كي تتعامل وتتحاور مع الإنسان الخشن حاول أن تستخدم معلوماته وأفكاره"، والبعض من الخبراء ينصح بكثرة طرح الأسئلة على الطرف الآخر، لأن الأسئلة المباشرة العميقة تشتت الذي أمامك بأدب ورقي، وبعد هذا جميعه كن مستعداً ومهيأ النفس لأن تخسر هذه المناقشة، لذا لا تزد الأمور سوءاً بالغضب أو الخروج عن الإطار العام، وبالمثل لو انتصرت وأثرت إعجاب الحاضرين في المجلس لا تبالغ في السعادة وإنما أشعرهم بأن الموضوع بديهي ولا غرابة فيه، لأن الحقيقة كانت في صفك، فهذا مؤكد أنه سيقوي دوماً مواقفك.
نحن بحاجة دوماً إلى تعلم مهارات التواصل والنقاش والحوار، وليت مدارسنا تعطي الجوانب الحياتية كموضوع فنون الحوار وتقديم برامج أو مناهج خفيفة تعنى بهذه الجوانب، فيخرج لدينا جيل واع ملم بالقصد من الحديث والنقاش مع الآخرين، يملك فنون الإنصات وأدب الحوار.