لم تحظى المرأة خلال القرون الوسطى بمكانة مرموقة تليق بمقامها, سواء أكانت في الشرق او في الغرب. لكن عندما بزغ فجر النهضة الاوربية, وبدأت تظهر المصانع تدريجيا, تحسنت ظروف المراة بالتدريج اجتماعيا واقتصاديا, حيث تمكنت ان تفرض نفسها وتطالب بحقوقها بينما تخلفت اختها في الشرق بسبب ثقل التقاليد والعقائد القديمة البالية الموروثة التي كانت تشدها الى الخلف, فقد نظر اليها العربي باعتبارها سلعة تابعة للرجل. وانها خلقت للمنزل, وليس لها ان تطلب اكثر من هذا, حتى ان في بعض امم الشرق القديم قد تمادوا في ظلم المراة وانتهى بهم الامر الى ان المرأة ما هي سوى انثى تزود الرجل بملذاته الجنسية وفي هذا قال شاعر عربي اجرب :
ما للنساء وللخطابة ** والقراءة والكتابة
هذا لنا ولهن منا ** .................
ولم يكن العرب قديما متفردين في هذا النظر الواطئ الى المراة فان اوربا على الرغم من مظاهر تقدمها, كانت تنظر ايضا الى المراة هذه النظرة الدونية في القرون الوسطى, لكنها أمتازت، كونها لم تفصل قط بين الجنسين ولم تعرف الحجاب.
لكن الضمير الاوربي قد تنبه في بداية القرن التاسع عشر الى وجدان جديد هو استقلال العقل البشري وطرح التقاليد البالية التي اورثها الدين. كما ان الحركة الصناعية كانت قد جذبت الملايين من العمال الزراعيين من الريف الى المدينة واصبح المناخ الذهني في المدن هو مناخ الحرية والشك والتسائل. ولذلك وجدت المراة تربتها التحررية الخصبة في المصانع التي هيأت للمراة جوا منعشا للاقدام والتقدم.
كان الحافز لحركة التنوير يرجع معظمه الى الاديب النرويجي هنريك ابسن في القرن التاسع عشر, الذي تمكن ان يبدل اخلاق الاوربين من تراث التقاليد والعقائد الى تراث القيم والمعارف التي توزن بمعيار العقل. فقد دعا الى الاستقلال النفسي والى ضرورة الجد في الحياة لتربية النفس, ليكونوا احرارا مفكرين مكافحين مستقلين.
بدأ ابسن الشطر الاول من حياته كمساعد صيدلية. كانت فترة الخدمة فيها كافية بان يلقي الضوء على الاكاذيب الاجتماعية التي فتحت عينيه ونبهت عقله لآن الصيدليات في ذلك الحين كانت تعيش على النصب والغش اذ لم تكن عقاقيرها سوى مواد معدومة النفع، ولم يكن المريض ينتفع منها بأكثر من الوهم. وعلى اثر ذلك ترك عمله و التحق بالمسرح في العاصمة النرويجية وهذا الاتصال بالمسرح اكسبه بصيرة في الفن كما اكسبه رؤيا في التأليف.
وقد نقل ابسن الدراما الرومانتيكية الى الواقعية, تعالج المشاكل الاجتماعية في اوربا وفي مقدمتها مشكلة المراة، وبذلك اوجد مسرحا جديدا يلتزم بالحقائق, شأنه شأن
برناد شو في انكلترا, كان فنه يتسم بالجد ويعتمد على العقل ويحيى الحياة الشريفة الفتية الراقية, لا تخضع لآطياف الماضي واشباحه. وقد كتب مرة خطابا الى اخته قال فيه :
( احب ان ارى كل شئ في وضوح وصفاء ثم احب بعد ذلك ان اموت ) .
كان ابسن يتفقد شخصية المراة دوما ويتسائل ابدا فيما لو ان الحضارة في عصره كانت تهيء لها ان تكون انسانا مجدا واقعيا لها اهداف شريفة تعيش من اجلها وتحس انها تؤدي رسالتها في الحياة كما ان لها اسلوبا فلسفيا تتخذه في معيشتها.
لقد احدثت دراماته ضجة كبرى في العالم الاوربي, لانها صدمت العقائد بالمعارف, ولكن الضجة هدأت عندما ادركت المراة بان جمال جسمها من جمال الوجه والصدروالقامة الرشيقة والفخذين هو جمال الآنثى وليس جمال الآنسانية.
فجمال المراة الواعية يجب ان يعلو على ذلك, اى يجب ان ينطوي على العقل النير والشخصية الراقية التي تدربت بالتجارب والاختبارات وارتفعت بالثقافة واشتركت في شؤون المجتمع. ونحن الشرقيين ورثنا مع الاسف تراثا سيئا من القرون المظلمة هو تراث الرق والخصيان وان اولئك الذين يدافعون عن العادات السيئة ينسون كيف اننا كنا نخصي الانسان الزنجي ونحرمه حقه في الحياة طيلة عمره وكنا لا نخجل من فعلتنا.
لقد علمنا ابسن مبادئ جديدة هي شرف الآنسانية التي يجب الا يحدها حدود, هو شرف الزواج الذي يقوم على التعاون والمحبة والمساواة ليس فيه سيد وعبد. هو شرف الآمة التي ترفع نساءها الى مقام الوزير والنائب، فقد اعلنها ابسن في اواسط القرن التاسع عشر في القارة الاوربية. وقد تحققت مبادئه السامية في العراق عام 2003 . حين وُضعت المراة في مقام النائب والوزير.