مثل قطرة ندى تنساب بنعومة فوق وجنة الورد ، ،، مثل نسمة صيفية باردة تقبل وجوه الساهرين دون استئذان اخترق طيف ( سلمى) الفلسطينية حجب الغيب ووصل الى غرفة نوم طفلتها (سعاد ) التي كانت ترقد بسلام فوق سريرها في منزل متواضع على اطراف عمان . ما ان اقترب طيف سلمى من سرير سعاد حتى لمحت في زاوية معتمة من الغرفة طيف زوجها (نعيم ) ، جاء ليطمئن على طفلتهما سعاد الناجيه الوحيده من اسرتهما التي قضت ذبحا في مجزرة صبرا في لبنان .
اقترب طيفا الزوجين من سرير ابنتهما وحدقا فيها وبدءا يتحاوران دون ان ينظرا الى بعضهما البعض . سأل طيف ( نعيم ):
- كم مضى من الزمن ،، منذ ان تركنا هذا العالم البائس ؟
- لا ادري ربما بضع شهور او سنه ، فـ ( سعاد) لم تكبر كثيرا منذ تلك الليلة المشؤومة عندما خبئناها تحت سريرنا خوفا عليها ، وذهبنا لمصيرنا مقتادين الى ساحة المخيم .
- هل تذكرين يوم زفافنا ؟
- كنت انا في السابعة عشر من عمري وانت في اوائل العشرينيات ، كان زواجا تقليديا بترتيب من اسرتينا ، ولم يمض سوى شهران حتى شعرت باعراض الحمل ، ما زلت اتذكر تعابير وجهك عندما اخبرتك بنبأ حملي ، يومها وزعت الخبز بالمجان على فقراء المخيم ابتهاجا بقدوم وليدنا الاول .
- نعم ، اتذكر جيدا ، لكن للاسف ، لم يشأ القدر ان اقوم برعاية وتربية ابنتي ، ولم يقدر لي انجاب المزيد من الاولاد والبنات ، فسكين القاتل كانت لي ولك بالمرصاد ولمعظم اهلنا واقاربنا الذين قضوا في المخيم .
- عشنا مع بعضنا لاقل من عامين ، اتساءل من حين لآخر : ما ه�8A الغاية التي جئنا لاجلها الى هذه الدنيا ، هل كنا فقط سببا في صنع هذه الطفلة .
- يبدو انها كانت الغاية من وجودنا الخاطف على هذه الارض ، انا لا املك من ابنتي شيئا الآن ، حتى اسمها الذي اخترته لها ليوافق اسم امي ( سعاد) لا أظن انها ستحمله بعد الآن ، فمن يدري هويتها وابويها الحقيقيين ، اراهنك ان الابوان اللذان تبناها قد وهباها اسما آخر .
تنبه الطيفان عندما دخل رجل وامراة الى الغرفة وجلسا عند حافة سرير الطفله وبدءا بتأملها وابتسامة الرضى تعلو وجهيهما ، بادر الرجل بقوله : الحمد لله ان عوضنا بهذه الطفلة بعد ان يئسنا من الانجاب ، وبعد رحلة عذاب طويلة لم نترك فيها طبا ولا دواءا .
نعم ، الحمد لله الذي عوضنا ب( وفاء) بعد طول انتظار . ردت المراه بابتسامة.
نظر الطيفان الى بعضهما البعض ثم تشابكت ايديهما وحلقا بعيدا في فضاء لا نهائي .
***********
كانت الساعة تشير الى الثالثة صباحا ، والشابة وفاء تذرع الغرفة ذهابا وايابا ما بين سريرها ومرآتها ، تكاد تطير من الفرح وهي تتفحص جهاز عرسها ، تتناول في كل مرة ثوبا من تلك الاثواب الزاهيه تضعه على جسدها وتنظر في = 8�لمرآه ، تختار له عقودا واساور واقراط تناسبه ، وبين ثوب وآخر تمسك بثوب الزفاف الابيض ، تحمله من كتفيه وتضعه على جسدها تدور حول نفسها امام المرآة . الى ان اخذ منها التعب، فاستلقت بجوار كومة الثياب وغطت في نوم عميق .
في هذه الاثناء كان طيفا سلمى ونعيم يتأملانها ، يشاركانها ولو من بعيد فرحتها بزفافها الذي اقترب ، تساءلت سلمى : لماذا تأخرت ابنتنا سعاد ،( اقصد وفاء ) في الزواج حتى هذه السن ، انها تبدو لي وقد تعدت الثلاثين سنة من عمرها .
- انها الآن اكبر سنا مني ، انا ابوها الحقيقي ( رد نعيم بسخرية اشبه بالمرارة) .
- لعلها كانت تحلم برجل بمواصفات معينة قلما تجدها في هذه الايام ، على كل حال يبدو لي ان الزوجين الطيبين اللذان تبناها قد وهباها كل الحب والرعاية التي لم يمهلنا رصاص وسكين الجاني لكي نمنحها اياه .
- ترى هل صارحاها بحقيقتها ، ام تركاها تظن انهما والداها فعلا .
فجأة تتداخل الازمنة والتواريخ وتنبعج زوايا المشهد ، وفي بعد غير مD9�ظور للاحياء، تظهر لسلمى ونعيم اطياف تحوم في المكان ، وفي ركن بعيد يجلس طيف فتاة لم تتعد العشرين عاما تحت شجرة بلوط معمرة تحني رأسها عند ركبتيها وقد لفته بذراعهيا وتبكي . يقترب الزوجان منها ويسألانها من تكون وما يبكيها ؟ ترفع رأسها قليلا وتجيب : انا مروة من مخيم الشاطىء بغزة قتلت وعائلتي بقصف طائرات اسرائيلية لبيتنا الذي تهدم فوق رؤوسنا .
نظر طيفا نعيم وسلمى الى بعضهما البعض وتفحصا بقية الاطياف ، فاذا بطيف رجل مسن يقف غير بعيد عن المكان يتحدث بلهجة ساخره موجها كلامه الى نعيم وسلمى : انظرا الى هذه البلهاء تبكي لانها غادرت هذا العالم البائس الذي لن يشبع يوما من الدم الفلسطيني ، وما ضيرها ان غادرت الجحيم الارضي الى رحابة الملكوت .
قاطعته مروه بلهجة حاده ( لم يكن جحيما يا ابي ، كانت لي حياتي وامنياتي ورغباتي كنت اواصل دراستي وكلي امل ان اصبح طبيبة ، كنت اتمنى الزواج وانجاب الاطفال ، انا ابكي لانني لم اهنأ بعمري ، بماذا حضرت الى هذا العالم وبماذا غادرت ) قالت تلك الكلمات وعاد الى البكاء مجددا .
جلس طيف والد مروه بجانب ابنته تحت شجرة البلوط ، ونظر الى نعيم وسلمى قائلا: ( اتمنى لو استطيع تدخين سيجارة في برزخي هذا ، ثم لماذا تحدقان في كالبلهاء ؟ ) .
تساءلت سلمى : في أي الاعوام تم قصف المخيم في غزة ؟ وفي أي سنة نحن الآن ؟
لا يهم ( اجاب والد مروه) انها عادة اسرائيلية تتكرر كل عدة اعوام من اجل اجتثاث بذرة الفلسطينيين في غزه . هل تعرفان ماذا قال محمود درويش بعد مذبحة مخيم صبرا التي قضيتم ا فيها ؟
- ماذا قال ؟
- قال ( حينما يبتسم المخيم ، تعبس المدن الكبيرة) .
فجأة تتحول انظار سلمى ونعيم الى ناحية اخرى من البعد الزمني فيشاهدان طيف رجل نحيل الى درجة كبيرة ، شاحبا ، تبرزعظمتا وجنتيه وليس عليهما ذرة من لحم او شحم . في حين غارت محاجره ، يحدق نعيم طويلا في وجهه ثم يقول :
كأني اعرفك ، برغم حالة الهزال الشديدة التي تبدو عليها ، الا ان طيفك ليس بغريب علي .
- انا عمك فؤاد ، ( اجاب الطيف) استقر بي المقام في سوريا بعد خروجي من لبنان في ذلك الصيف المشؤوم .
- نعم ، تذكرتك ، انه انت ، عمي ، ولكن ، ما هذه الهيئة الغريبة التي قضيت عليها ، ماذا حل بك ؟ هل قتلت انت ايضا في غارة اسرائيلية ؟ .
- كلا ، لم اقتل في غارة اسرائيليه ، ما ساقوله الان ليس نكته ، ولك ان تصدق او لاتصدق ، لقد مت جوعا في مخيم اليرموك المحاصر بدمشق .
قطع حديث الاطياف صوت يقع في منطقة وسط بين البكاء والضحك ، التفت الاطياف فاذا بطيف سلمى يترنح ويمضي بعيدا في فضاء مجهول وهي تهذي ( نعم ، المخيم ، انه المخيم ،،، حينما يبتسم المخيم،، تعبس المدن الكبيره)