الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

عندما تشن النساء حرباً من أجل السلام

  • 1/2
  • 2/2

أسابيع قليلة بعد الحرب الأخيرة، التي تصمم وسائل الإعلام على تسميتها "حملة عسكرية"، يمكن بالتأكيد التحديد بأن الشعب في إسرائيل يفضل محي، بصورة ناجعة مثيرة للإعجاب، كل ما حدث – بدءاً من عملية خطف الشباب الإسرائيليين الثلاثة وعملية قتل الولد الفلسطينية وحتى الصواريخ التي أطلقت على تل أبيب والـ66 جنازة عسكرية التي أقيمت. وطبعاً لا يوجد هنالك حديث عن القتل والدمار في غزة. من الصعب عدم الشعور بضائقة على إثر الإنكار العميق الذي يمارسه المجتمع الإسرائيلي في هذه الأيام. فقط العائلات التي فقدت أعزاءها ما زالت تسير منذ الصيف الأخير وكأنها في كابوس، أما باقي الناس، قنوات التلفزيون والمحلات التجارية مشغولة بالأساس بالطبخ والمشتريات للعيد. هذا الأسبوع، عشية يوم الغفران، يبدوا انه يتم الحديث أكثر (مجدداً) عن تلك الحرب، في عام 1973، أكثر من الحديث عما حدث هنا مؤخراً.
والآن، ضد هذا التيار السيء، قامت فجأة حركة جديدة، حركة المكونة من نساء اللواتي قررن إدارة صراع شعبي واسع وعنيد، من أجل السلام. الاسم الذي اختاروه مؤسسات الحركة يبدو مذهل أكثر باللغة الإنجليزية. باللغة العبرية تدعى الحركة "نساء تصنعن السلام"، أما باللغة الإنجليزية فالاسم هو "Women Wage Peace" تعريف الذي يعبر بشكل أدق عن الفكرة بأنه في مجتمع الذي يصف نفسه أكثر بمصطلحات حربية فلا يوجد خيار آخر سوى إعلان معركة من أجل السلام.
الحقيقة الأكثر إثارة بالنسبة للحركة الجديدة هي الطريقة التي أقيمت بها. بالذات في الوقت الذي كان يبدو وأن اليأس الذي جرف خلال الصيف الأخير شرائح كثيرة من المجتمع، خلق الدمج المحزن بين الخدر في المشاعر وعدم المبالاة وبين الشعور القاسي بطريق مسدود، وفي حين ان الكلمات "لا يوجد مستقبل هنا للأجيال القادمة" تم سماعها بوتيرة أعلى من أي وقت من قبل، وتعبر عن عدم ثقة كبيرة بالحكومة والدولة – حدث ذلك.
لأن الحركة النسوية خلقت من أعماق هذا اليأس وليس من رحم المنظمات اليسارية المعروفة، وليس حتى من رحم أحد الأحزاب، ولم تقم كمبادرة مخطط لها وإنما كردة فعل، وليس فقط في بؤرة واحدة وإنما في عدة أماكن في مساحات فكرية مختلفة.
بنظرة الى الوراء يمكن القول ان اللحظة الحاسمة في إقامة هذه اللحظة كان، على الأغلب، في بداية الصيف، خلال الأيام الصعبة التي قامت خلالها قوات كبيرة بالبحث عن الشبان الثلاثة المخطوفين، دون ان يعرفوا انهم قتلوا. منذ بداية هذه القضية المأساوية وقفن في الواجهة أمهات الشبان المخطوفين، وبما بدا وكأنه قرار واعي قاموا بتوحيد قواهم، وتحدثوا مع وسائل الإعلام وأظهروا موقفاً إنسانياً مثيرة للإعجاب. من بين الأمهات الثلاثة، برزت بشكل خاص راحيلي فرنكل، التي استطاعت كسر الفكرة السائدة عن "المستوطنين" مقابل "سكان تل أبيب المتحررين". لفتتها الخاصة، عندما ذهبت خلال فترة العزاء الى عائلة الولد الفلسطيني محمد أبو خضير لتعزيتهم على قتله عل يد متطرفين يهود، نجحت في إرباك وسائل الإعلام بشكل نهائي، التي لم تعرف منذ البداية كيف تتعامل معه عندما قامت بتلاوة الصلوات على قبر إبنها على عكس ما هو مقبول في المجتمع الأرثوذكسي.
قرار فرنكل الشجاع والمصمم، على مد خط لقدر مشترك بينها وبين الأم الفلسطينية على أساس إنساني – كوني، أعادت الى المجتمع الإسرائيلي فجأة، لغة التي يبدوا وكأن أكل الدهر عليها وشرب. لغة التي تستمد قوتها من الإحساس والأخلاق الإنسانية. لا يوجد شك بأن النساء وحدهن، اللواتي يتحدثن من منطلق وظيفتهن كأمهات، كانوا قاردات على خرق ستار الخوف والتجنيد العسكري – القومي الذي غطى غالبية الشعب اليهودي في إسرائيل. كلما يزداد الضغط الحربي، هنالك شرعية للنساء فقط بالحديث عن الألم والحزن وإبداء التعاطف مع الآخر، وذلك بشرط انهن يتحدثن من منظور شخصي.
ومن هذه الجهة غير المتوقعة، من جهة "المستوطنة" راحيلي فرنكل، تم فتح القناة مجدداً والتي بدت وكأنها سدت، والتي عملت بصورة جميلة جداً عندما استطاعت حركة سابقة، "أربع أمهات" بممارسة ضغط سياسي – شعوري كبير على رؤساء حكومة، وزراء دفاع وضباط كبار في الجيش، حتى انسحب الجيش الإسرائيلي في نهاية الأمر من لبنان بعد فترة مكوث طويلة ومليئة بالدم والحزن. بهذه الروح، روح نساء اللواتي الرابط السياسي الوحيد بينهن هو التركيز على موضوع واحد، بدأت الآن حركة "نساء تصنعن السلام" طريقها، وهي تنتشر مثل النار في حقل من القش.
المبادرات للحركة ونشاطاتها قررن ان الهدف هو دفع الحكومة للموافقة على السلام مع الفلسطينيين، لكيلا يكون حروب هنا بعد الآن. الفرضية الأساسية هي انه لا يوجد صراع لا يمكن حله ولا يوجد صراع دام الذي لا يمكن ان ينتهي بسلام. فهن يقلن ان التاريخ مليء بالأمثلة على ذلك، ولا يوجد لدينا مئة سنة والآلاف الأولاد لنفقدهم.
كم يبدو بسيطاً هذا الأمر فجأة، بالأساس عندما لا تكن المتحدثات تابعات لنفس المعسكر – فمن بينهن من يصوت لحزب ميرتس اليساري وحزب العمل، ولكن هنالك من يصوتن لحزب الليكود وأحزاب يمينية أخرى. هنالك ناشطات سلام قدامى وهنالك شابات التي تعتبر هذه أول نشاط سياسي في حياتهن، وهن مصرات على ان المهمة التي يردن إنهائها هي مهمة سياسة بأعمق معاني المصطلح، بمفهوم التأثير على المساحة الديموقراطية، والمدنية. بهذا المفهوم، الذي يناقض جداً التيار المركزي الآخر في المجتمع الإسرائيلي، الذي يدفع نحو اتجاهات انفصالية، عنصرية وعنيفة، لا يوجد شك بأن حركة "نساء يصنعن السلام" هي بشرى تفوح بالأمل. بقي الآن رؤية فيما إذا ستنجح بتحويل نفسها من ظاهرة منعشة ومثيرة للاهتمام الى عنصر مؤثر حقيقي. في حال تم ذلك – فهي ستدخل التاريخ في إسرائيل، وليس فقط فيها.

أفيراما جولان هي كاتبة وصحافية إسرائيلية وترأس مركز تمدن وحضارة حوض البحر المتوسط الكائن بمدينة بات يام

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى