البعض عندما لا يعرف موضوعاً ما لا يقول لا أعلم أو سأبحث عن معلومات، بل يبدأ في الحديث والخوض في شأن هو أبعد ما يكون عنه. لقد أعجبت بكثير من التقدير خلال مشاهدتي لحوار على قناة إخبارية أجنبية، وكان الحوار محتداً والنقاش ساخناً كما يقال، وعندما وجه سؤال لأحد الضيوف، صمت قليلاً ثم قال: «أعتذر فلست متخصصاً للإجابة على هذا السؤال بالقدر الذي يمكن أن يضيف ويفيد المشاهدين، لكنني أريد التعليق على نقطة أخرى»..
لقد توقفت أمام كلماته وإجابته ملياً وتساءلت هل سبق أن مر على أي منا خلال مشاهدته لأي قناة عربية وفيها حوار مع سياسي أو فنان أو من أولئك الذين يسمون خبيراً اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيرهم، هل سبق وسمعتم أياً منهم يعتذر لأنه غير متخصص في الإجابة على ذلك السؤال أو يعتذر لأنه لا يملك الإجابة؟
ما يحدث دوماً هو أن الجميع يتحدثون ويفلسفون الأمور على أهوائهم وهي مخالفة للواقع دون خشية من محاسبة أو خوف من سطوة القانون. لدينا هوس بأننا نعرف كل شيء ومطلعين على كل شيء ولا مكان لمفردة لا أعلم، المشكلة أنه يترتب على ادعاء المعرفة أكاذيب وصناعة حقائق زائفة لا أساس لها من الصحة، ومع الأسف هذا الذي حدث منذ عصور غابرة من عمر البشرية عندما لجأ الإنسان لوصف الظواهر غير الطبيعية بالمعجزات وفسرها بالقصص الخرافية وهذا بديهي لأنهم كانوا يفتقرون للمعرفة.
ونعلم جميعاً أنه كلما تقدم الإنسان واكتشف أموراً جديدة أزيحت الخرافة وتلك الأساطير من العقول، في مختلف العلوم من الطب إلى الفيزياء وصولاً للكيمياء والفلك والطيران والرياضيات وغيرها كثير جداً قوبلت نظرياتها والمخترعات التي ظهرت بسببها بتشكيك ورفض، والسبب أنها اصطدمت بمسلمات تلك العقول التي تتحدث في كل شيء وترفض الحقائق، ولو سألت أحدهم ما برهانك وسندك العلمي على ادعاءاتك سيحتار في الإجابة، ثم سيجيب قائلاً هذا ما تركه لنا الآباء والأجداد!
لن أذهب بعيداً فلعل البعض منا يعرف أن برج بيزا المائل في روما كانوا قبل نحو قرنين من الزمن يحيكون القصص الخرافية حول عدم سقوطه رغم ميلانه الواضح، وعندما جاءت الفيزياء بينت أنه من الطبيعي أن لا يسقط بسبب عدم خروج نقطة ارتكازه عن دائرة ومحور البرج، هذا كل ما في الأمر .. عموماً لنتذكر دوماً المفردة العجيبة: لا أعلم.