" اختلطت الأسماء، بلحظة لم تعد اللعبة مسلية، رموا كل شيء وارتقوا، تاركين لنا نهاية مفتوحة لمباراة لن تنتهي."
لأن المقاومة باتت أبعد مايكون من ضربة حجر وقصف مدفعية، قررت الرسامة مريم غانم من الجنوب اللبناني التضامن مع العدوان الارهابي على غزة، ولكن بطريقتها الخاصة.
فمنذ أيام قليلة من الأمس القريب، تحول الحائط الذي يصل امتداده إلى مطار بيروت الدولي في لبنان للوحة تجسد تاريخ مجزرة.
خلال أربع ساعات، أنهت الجنوبية مريم غانم لوحة "البحر غضبان مابيضحكش" ووثقت بين صور القذائف أسماء أطفال عائلة بكر الأربعة الذين ارتقت أرواحهم في مجزرة الشاطىء بحرب غزة.
مريم، حفظت التاريخ جيداً، قلبته بين يديها وكفكفته، ثم الصقت به في كل قوتها على جدار كان يحمل صور انتخابية وأوساخ لمارة مملين.
طبعت في ذلك الحائط ما عله يصحي عقول العابرين أثناء ارتفاع صوت ضحكاتهم أو تذمر طلباتهم، طبعت، ليرجعوا إلى الواقع الرث قليلاً، ويدركوا أن على هذه الأرض توجد بقعة حيث فلسطين، تدعى غزة، هناك فقط، يموت الكثيرين بعد أن يركضوا على شاطىء البحر!.
وكانت هذه الجدارية التي حملت عنوان "البحر غضبان مابيضحكش" وهي جدارية مهداة إلى أرواح الأطفال عاهد وزكريا ومحمد واسماعيل البكر، حملت عنوان قصيدة الشاعر المصري نجيب سرور "البحر بيضحك ليه؟"، والذي كان قد لحنها الفنان المصري الشيخ إمام عيسى، طبعت بين رسم القذائف أسماء البحر وأسماء السماء باللغة العربية.
حيث ضمت لوحة "البحر غضبان ما بيضحكش" لروح زكريا، واسماعيل، ومحمد، وعاهد الذين ارتقوا في 16 يوليو الماضي، أسامي بحر اليم، وفرات، وقريع، وخسيف، وزافر، الذي طبعتهم مريم بين القذائف.
وزينت على هامش البحور، أسماء للسماء كالرفلون، وهيفوف، وقيدوم، وعجماء، إلى جانب الشهداء الأربعة.
ولأن هذا العمل ليس بالأول لغانم، حيث أنها اعتادت على تحويل الحوائط المعتمة في زوايا بيروت إلى بقع، تجلب السياح، والمواطنين، وتجمعهم تحت محبة كلها ايمان تدعو إلى التعايش والسلام.
* إلى ماذا تسعى مريم من خلال تحويل الحوائط المعتمة إلى قطع فنية؟
- فن الجرافيتي هو منصة قوية للوصول إلى الجمهور بما أن المدينة هي حيّز مكاني كبير. ولابد أن تتعدد الإمكانيات المتاحة لإستيعاب الظواهر الفنية المختلفه التي تتحدى منظومة القيم الفنية والجمالية السائدة في مجتمعاتنا وتحتك بها لإثبات وجودها. وفي حال وجود المواضيع المحفزه (كالقضايا المحقه) الذي يستطيع الفنان من خلالها التعبير عما يجيش في صدور الناس يصبح موضوع تثبيت العمل الفني في الأماكن العامة هو رساله.
* برأيك هل من الممكن أن يؤدي الجرافيتي إلى ظاهرة تشويه الأماكن العامة في حالة لم يقدم لها تصاريح من الجهات الرسمية؟
- معظم الناس يميلون إلى التفكير في أن فن الغرافيتي يعد أمرًا تخريبيًا، والملاحظ أن فنانو الجرافيتي لا يطمحون إلى تغيير هذه الصورة، وإنما كانت ومازالت لهم لغة خاصة في تواصل مع الناس. ومع انتشار ظاهرة الغرافيتي عالمياً، تزايد الجدل حول تصنيفها بين الفن والفوضى. برأيي إن القمع وتحديد الأفكار في هذه الأمور لا يجدي نفعاً والحل دائماً بوجود الوعي بين الأفراد الممارسين لهذا الفن بانتقاء المواضيع والاماكن المناسبه لطرحها.
* إلى جانب الحائط المؤدي لطريق بيروت، أين بصمة غانم ابداعها؟
- النشاط الأول كان على جسر الرويس، الضاحية ونظمته بلدية الغبيري بمشاركة عدد كبير من الرساميين لنشكل مظاهرة فنية بوجه التفجيرات الارهابية التي طالت تلك المنطقة.
أما عن عملي الثاني في منطقة سن الفيل، كان مبادرة شخصية وبدون الرجوع لأي جهات أو أخذ إذن. حمل العمل شعار "منكم دبابة أخرى ومنا حجر" وذلك في بداية العدون على غزة. وعن العمل الثالث فكان لأرواح مجزرة شاطىء غزة على طريق المطار وهو أيضاً مبادرة شخصية.
* هل تشعجين إلى أن يتحول الفنانون للرسم في "الشوارع" في ظل حصر المعارض الفنية في الدول العربية عموماً وقلة فرصها؟
- أرى أن على الدول العربية تخصيص أماكن ومساحات للتعبير ومتاحف لهذا الفن إذا أرادوا أن يتفادو ما يسمونه "بالأعمال التخريبية" و "تشويه الممتلكات" وعليهم تسهيل هذا النوع من النشاطات.
لكننا مازلنا في مكان متأخر لنصل لهذه المرحلة بالرغم من أن الناشطين وجدوا حقهم في حرية التعبير ومارسوا كل أشكال المقاومة حتى أثبت هذا الفن وجوده. في باريس، مدينة الفنون، خصص متحفاً فنياً للغرافيتي اسمه "لو مير" وصار بإمكان المتلقي أن يتمعن في الأعمال التي انتزعت من مكانها وعرضت في هذا الصرح الفني.
* هل لعواطفك السبب الأكبر في اختيارك لموضوعات أعمالك، أم أن هناك أسباب أخرى لاختيار الزمان والمكان؟
- الفن وسيلة اتصال غايته توصيل مشاعر الفنان وآرائه فإن وظيفة الفن يجب بكل تأكيد ألا تقتصر على المعارض.
إذ ليس لهذه الدوائر المغلقة يبدع الفنان، وليس منها يستمد أحاسيسه وإنسانيته وقدرته على التفاعل الإنساني.
ما مِن فن ينبثق من فراغ، فلا بد من حدث واقعي يتبرعم شيئاً فشيئاً حتى يصبح عمل فني متكامل يحمل رساله واضحه. والجرافيتي أحد صور النضال، حيث أصبحت الرسومات من أقوى طرق التعبير في عصرنا. فيبلغ ذروته في الفترات التّي تشهد تغييرات سياسيّة واجتماعيه وفي الحروب، فيصبح في حدّ ذاته شكلاً من أشكال القوّة لمقاومة وضع معين أو لإلقاء الضوء على وضع معين.