في الثمانينات الميلادية، كانت (أبلة) منيرة لا تخرج من منزلها متجهة إلى مدرستها -وذلك مشياً- إلا عندما تسمع جرس الطابور الصباحي يرن، وقبل أن ينتهي من رنينه تكون منيرة قد وصلت لبوابة المدرسة، وألقت تحية الصباح على أبي صالح البواب ودخلت، وخلعت عباءتها. وقبل نهاية الشهر الهجري تستلم راتبها الذي يتضمن بدل نقل.
منيرة ليست من جيل الطيبات فقط، بل من جيل المحظوظات، اللاتي لم يفكرن يوماً في شراء سيارة، أو استقدام سائق، أو نيل حقهن بقيادة سيارة، كانت من ذلك الجيل المربوطة أقدامهن بسماع صوت الجرس المدرسي، ليبدأن خلاله بماراثون الانطلاق إلى أعمالهن، وفي مقابل تلك الرياضة الصباحية يستلمن بدل نقل أيضاً!
اليوم، صويحبات منيرة، وغيرهن من الموظفات، عندما يحصلن على رواتبهن، ينظرن بحرقة إلى بدل النقل المخصص، فهو يظل مبلغاً لا يكفي لينقلهن من بيوتهن إلى أعمالهن، فلو كان موزعاً بين قسط السيارة الكورولا، والوقود لهان الأمر، لكنه بكامله، وإضافة إلى اقتطاع جزء من الراتب، هناك راتب للسائق، أو للخدمات الخاصة بنقل المعلمات أو الموظفات. بينما المبلغ المخصص كبدل نقل من 700 ريال وحتى 900 ريال لا يكفي راتب نصف شهر للسائق، ناهيك عن سكن السائق وتبعات استقدامه، ومبلغ الوقود، وأقساط السيارة و و و..
أعترف أن المرأة هنا معاقة مع سبق الإصرار والترصد، فهناك من يعيقها ويمنعها من التنقل بسيارتها الخاصة، التي تتناسب مع حاجاتها وظروفها المادية، هي مجبورة كل صباح أن تمثل دور الملكة، ولكنها ملكة من عرق جبينها المتصفد تعباً، وليس من جيب أحد، فلربما تنازلت عن شراء بيت هي في أمس الحاجة إليه كي تمثل ذلك الدور الذي فُرض عليها مع السبق والترصد، لقد أهلكتها المواصلات، التي أصبحت تستقطع من راتبها الشهري أكثر مما يظن، مطلقين شعار المرأة الملكة.
المرأة يجب أن ينظر في أمرها مرة ومرتين وألف مرة أيضاً، أليست هي أختك أو أمك أو ابنتك أو زوجتك؟ كما يحلو للبعض أن يقول هذا الكلام في معرض دفاعه عن المرأة، كل امرأة لديها من الظروف والمشكلات ما لا يعرفها من كان راتب السائق لا يمثل 5 في المئة من راتبه الشهري، ناهيك عن أولئك الراتعين في الأموال والعقار والهبات والعطايا، المرأة نصف المجتمع الغاضب، أو الثائر، أو الراضي، وليست سقط المتاع. لماذا تُستغل من السائق، ومن كل الظروف المحيطة بها؟، ليستنزف ما تجنيه من عرق جبينها بدعوى لم تعد تخيل على أحد منا.
أما أن ينظر لبدل نقل المرأة الموظفة لدينا، سواء أكان حكومياً أم قطاعاً خاصاً، فلا يجب أن يتساوى بدل تنقلاتها مع الرجل بأي حال من الأحوال، بل يفترض أن يكون بدل نقلها أعلى، لأنها ملكة، أو أن تتساوى مع المعاقين حركياً، لأنها معاقة بفعل فاعل مع سبق الإصرار والترصد، أو أن تعامل كما كانت منيرة على الأقل بالنسبة للمعلمات، أو عدم منعها من أن تقود سيارتها التي تدفع قسطها ووقودها. أما أن يظل الحال كما هو عليه الآن، فهذا هو الظلم في حق المرأة العاملة، إذ يبتسر من راتبها الشهري ما مقداره 1500 ريال شهرياً راتباً للسائق على أقل تقدير، إضافة إلى تبعات أخرى كل هذا لتصل إلى مقر عملها، بينما بدل تنقلاتها لا يتجاوز 900 ريال في أحسن الأحوال أسوة بالرجل، الذي لا يتكبد كل هذا العناء ليصل إلى عمله، بالله عليكم أهذا ظلم أم غير ظلم يا بتوع العدل وحقوق الملكة؟