"عيد بأي حال عدت ياعيد"... كلمات تلخص واقع المرأة الريفية التي لا تعرف لهذا العيد لا لونا ولا طعما... بل لا تدرك أساسا أن لها عيدا... فعيدها هو عندما لا ينام صغارها جياعا. عيد خصته بها الجمعية العامة، ليكون الخامس عشر من شهر أكتوبر من كل سنة يوما دوليا للمرأة الريفية، وذلك تسليما منها " لما تضطلع به النساء الريفيات من دور وإسهام حاسمين في تعزيز التنمية الزراعية والريفية". وبما أن المرأة نصف المجتمع بكل المقاييس، حيث تجاوزت مرحلة الإستهلاك لتصبح فاعلة ومنتجة على جل الأصعدة، فالمرأة الريفية في معظم أنحاء العالم وخاصة النامي، تشارك في إنتاج المحاصيل وتوفيرأساسيات الحياة لإسرتها، من غذاء وماء...إضافة لإنخراطها في الأنشطة الغير زراعية لتنويع سبل العيش لأسرتها، وكل هذا طبعا إلى جانب مهامها الطبيعية والحيوية في رعاية الأطفال والمسنين والمرضى. ولقد حضيت المرأة الريفية بإهتماما عالميا ودوليا، بإعتبارها أحد المؤثرات التي تنعكس سلبا أو إيجابا على إقتصاديات الدول، وعليها يعتمد التصنيف الإقتصادي لأي دولة عالميا. لكن على الرغم من أهمية دور المرأة الريفية في عملية التنمية وخاصة الزراعية والإهتمامات الدولية والمحلية، وما ترتبت عنها من إنجازات، ظلت المرأة الريفية مهضومة الحق في ظل ما تعيشه من تهميش وحرمان من حقوق نادت بها الكثير من الحناجر.
المرأة الريفية: الصعوبات والعراقيل
على الرغم من الجهودات المبذولة للنهوض بالمرأة الريفية دوليا ومحليا، أوحتى محاولات المرأة الريفية في حدّ ذاتها، للإرتقاء بوضعها ووضع أسرتها المعيشي، إلا أنها لاتزال تتعرض للتهميش وتحديات كبيرة تعيق ممارستها لحقوقهاالإنسانية، وتقدمها الشخصي، وسعيها إلى تحقيق تطلعاتها، كما تعيق أيضا عملية تحقيق التنمية المستدامة. بإعتبارأن المرأة هي العامل الرئيسي الذي يربط كل حلقات السلسلة الإقتصادية على كل المستويات، فهي المحرك الرئيسي في عملية التنمية الزراعية والصناعية في الأرياف. ومن أبرز هذه العوائق التي تواجه المرأة الريفية والتي تتعلق في مجملها بعدم حصولها على القدر الكافي من التعليم، ويعاز هذا "الفقر التعليمي" للمرأة الريفية لأسباب كثيرة متداخلة، منها بُعد مراكز التعليم عن مناطق السكن، بلإضافة إلى إنقطاع الفتيات المبكر عن التعليم بسبب الزواج. فعلى حسب تقريرالجمعية العامة للأمم المتحدة فإن نسبة المرأة مايزيد على ثلثي الأميين في العالم، وكثيرا من هؤولاء النسوة يعشن في المناطق الريفية، حيث تشير البيانات أن الفتيات الريفيات أقل إنتضاما بالمدارس الثانوية عن الفتيان الريفين، وتقل حظوظهن بكثيرعن الفتيات الحضريات، إذ ينتظم 5.39 بالمئة من الفتيات الريفيات في المدارس الثانوية مقارنة ب 45 بالمئة من الفتيان الريفيين و 59 بالمئة من الفتيات الحضريات و60 بالمئة من الفتيان الحضريين. ففي بركينافاسو على سبيل المثال فإن 22 بالمئة فقط من الفتيات في المناطق الريفية يلتحقن بالمدارس الإبتدائية، مقارنة مع 72 بالمئة من البنات في المدن أو 82 بالمئة من الذكور في المناطق الحضرية، أما في المغرب ورغم أن الفجوة بين الجنسين قد تقلصت في السنوات الأخيرة إلا أن المرأة الريفية لاتزال متأخرة مقارنة بالرجل، حيث أن 37 بالمئة من الفتيات الريفيات بالمقابل 55 بالمئة من الذكور يتابعون ما لايقل عن 5 سنوات من التعليم وذلك على حسب منضمة "اليونسكو".
ومن الصعوبات التي تواجه المرأة الريفية أيضا النقص الحاد في التوعية والرعاية الصحية، وخاصة الأمهات والحوامل، مما يرفع كثيرا من نسبة وفيات الأمهات وزيادة معدلات الإجهاض الطبيعي الناتج عن الكثير من الأسباب التي ترجع في المقام الأول لعدم وجود الرعاية الصحية الأولية في المناطق الريفية، وإن وُجدت فهي في غير متناول اليد لأنها تبعد كثيرا عن مناطق الرعي والزراعة التي تقطنها المرأة الريفية، فكم من حادثة وفات إمرأة حامل في سيارة نقل ريفي أو موت جنينها أو حادث ولادة في الطريق سببها حالة طريق متردية تتكرر أكثر من مرة وضحيتها إمرأة همشت وأعدمت حقوقها.
كما تعاني المرأة الريفية كذلك من زيادة عبء العمل، حيث تعمل لساعات أطول وبجهد أكبر، إذ يقع على عاتقها الكثير من متطلبات الحياة اليومية، فإلى جانب دورها الطبيعي في رعاية أسرتها وأطفالها وذلك بتوفير الغذاء والماء لهم في ظل ظروف لاتكون دائما سهلة والقيام بالكثيرمن الأنشطة اليدوية التقليدية وغيرها من أجل زيادة وتنويع مصادر الدخل لأسرتها، فهي أيضا تشارك في الزراعة فعلى حسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو" فإن المرأة الريفية تمثل 79 بالمئة من القوى العاملة في المشاريع الزراعية، والتي تعاني فيها المرأة من عدم المساواة في مجال العمالة الريفية سواء أكان ذلك في مجال العمل الذاتي أوالتوظيفي، حيث ثشير معطيات في تقرير مشترك بين وكالات الأمم المتحدة، أن النساء في الريف أقل حظا من الرجال في العمالة مقابل الأجر سواء في مجال الزراعة أو غيره، فالنساء الريفيات يعملن في الأغلب في عمل موسمي منخفض الأجر ويزيد أجر الرجال عنه النصف.
ومن الصعوبات التي تواجه المرأة الريفية أيضا، العادات والتقاليد التي لم يُسيطر عليها إلى حد الآن وهي ممارسات ضارة بالمرأة مثل لذلك ختان الإناث والزواج المبكر وحرمان الزوجة من الميراث....إلى جانب العنف الجسدي خاصة من قبل الزوج والذي في الغالب تقوم المرأة بالتكتم عنه، وعدم التبليغ عما تتعرض له، ويعود ذلك لكون أن الوصول إلى الشرطة أو خدمات تقديم المشورة أو الخدمات القانونية أكثر صعوبة بالنسبة للمرأة الريفية مما عليه في المدن، وذلك لعدم توفروسائل النقل أو الإتصال وبعد المسافة عن مركز المدينة، فضلا عن جهل المرأة بمعرفة حقوقها وخضوعها لسلطة العائلة والعشيرة والتقاليد الإجتماعية الموروثة. ولخروج المرأة الريفية من بوتقة الجهل والعنف والتهميش والنهوض بها، فلابد من المزيد من المجهودات والمبادرات على الصعيد الدولي والمحلي.
المزيد من الجهود للنهوض بالمرأة الريفية
إن قدرة المرأة في المجتمع الريفي على القيام بدورها في تنمية المجتمع يتوقف على ما نالته من تأهيل ومهارات مكتسبة من المجتمع والبيئة التي تعيش فيها، لذلك من الواجب والضروري إعادة توجيه كل الطقات من أجل دعمها وتهيئة الظروف الملائمة لها من أجل المزيد من الإسهامات في دفع عجلة التنمية التي تفتقد إلى الكثير، وخاصة الآن في ظل العودة إلى إعتماد على القطاعات التقليدية الزراعية والصناعية، من أجل خلق واقع مغاير بعد أن طالت يد الإهمال هذه القطاعات لسنوات طوال. إن المطلوب كثيرا في إطار بناء قدرات وتطويرالمرأة الريفية، إذ يجب العمل على الخدمات الأساسية وإتخاذها كمركز لتطوير وإرشاد المرأة الريفية، وتوجيهها لإقامة بعض المشاريع الريفية الصغيرة والتشجيع على التنوع وذلك بعدم الإعتماد الكلي على الزراعة. كما يجب رفع الوعي بقيمة العلم في المجتمع الريفي مع عدم التصادم مع عادات هذا المجتمع وأعرافه، حتى لا يتسبب ذلك في شروخ إجتماعية يزيد ضررها كثيرا عن المقصد الأساسي من التعليم، ويتم ذلك من خلال بناء مدارس بعدد كافي في المناطق الريفية. كما تعد عملية التركيزعلى إرشاد المرأة الريفية ورفع الوعي الثقافي والإجتماعي لديها، من إحدى الوسائل الهامة في تطوير دور المرأة الريفية في التنمية الإجتماعية والإقتصادية، وليتم ذلك يجب توفير متخصصين من المرشدات الزراعيات المؤهلات لإتباع الأسلوب التنموي والتربوي مع النساء الريفيات. إلى جانب توفيرمراكز المساعدة والمدافعة عن حقوق المرأة في الريف. ونظرا لطبيعة المجتمع الريفي المحافظ فإن الإعلام والجمعيات والمنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني، مطالبون بلعب دور كبير وفعال من أجل توعية المرأة الريفية بأهمية دورها في تفعيل التنمية الريفية.
وأخيرا وليس بآخر، فالمرأة هي حقا وفعلا المدرسة الأولى واللبنة الأساسية للمجتمع، والتي تأثر على محيطها وتتأثر به في عمل دائري متصل. فالمرأة الريفية هي المحرك الرئيسي في عملية التنمية الزراعية والصناعية، لذلك لابد من تضافر كل الأطراف الدولية أو المحلية بكل منظماتهم التطوعية أو النسوية أو أيا كانت تسميتها أو صفتها، لتوفير كل ماذكرناه آنفا للمرأة الريفية التي تحتاج لتغير الكثير من العادات التي تساهم في إعاقتها وتأخير تقدمها، فهي بحاجة أيضا إلى زيادة الوعي بحقوقها ليس من أجلها فقط ولكن من أجل مجتمع بأكمله والذي تظل هي محور وجوده وسر كينونته قديما وحديثا. وبالتالي فيمكن القول أن المرأة الريفية بحاجة إلى أكثر من يوم عالمي