من بين 27 مترشّحا للإنتخابات الرئاسية، مِمّن قبلت الهيئة العليا للإنتخابات ملفّاتهم، امرأة واحدة، ستخوض التجربة لأوّل مرة في تونس. القاضية كلثوم كنّو تجد اليوم نفسها داخل معركة إنتخابية ساخنة، تتجمّع فيها أحزاب قوية وأحزاب ضعيفة ورؤوس أموال، وهي المترشّحة المستقلّة دون أيّ مُساندة حزبيّة.
هي امرأة تونسيّة، والمرأة في تونس، تعاني منذ ثورة 14 جانفي/كانون الأول 2011 من خوف ورهبة من مستقبل ضبابيّ، مع تمكّن حزب النهضة من الحكم، وظهور الجماعات المتطرّفة واستقبالها للعديد من الدُعاة المُحمّلين بفتاوى ختان البنات والمرأة العورة، وانتشار الفكر الرافض لما اكتسبته من حقوق منذ الاستقلال، خاصّة مجلّة الأحوال الشخصيّة، ومحاولات جادّة لتغيير وضعها كمُكمّلة للرجل في الدستور.
كلثوم كنّو، رئيسة سابقة لجمعيّة القُضاة التونسيّين، يُحسبُ لها الطعن في إنتخابات المجلس الأعلى للقضاء سنتي 2005 و2007، وإصدارها لبطاقة جلب في حقّ مُعزّ الطرابلسي ابن أخ ليلى بن علي زوجة الرئيس التونسي السابق سنة 2008. كما أنها من القُضاة الذين كانوا ومازالوا يطالبون باستقلال هذا القطاع الحيوي الهام في تونس.
هل يحسم لها تاريخُها الطويل في ميدان القضاء هذه المعركة الإنتخابية، خاصّة وأنها صرّحت في عديد الحوارات الإعلامية، أنها لا تملك الإمكانيات المادية الكافية لدعم حملتها الإنتخابية؟ علما وأن القانون الإنتخابي يمكّن كل مترشّح من 75 ألف دينار فقط في الدورة الأولى من الإنتخابات، لتمويل حملته.
وكالة أخبار المرأة سألت عددا من المُحللين السياسيين والإعلاميين عن حظوظ كلثوم كنّو في هذه المعركة السياسية الجديدة من نوعها كأوّل حملة إنتخابات رئاسيّة تخوضُها تونس بعد سقوط النظام السابق، والقاضية كنّو المرأة الوحيدة التي تدخل غمارها.
اعتبر الإعلامي والمُحلل السياسي باسل ترجمان ترشُّحَ السيدة كلثوم كنّو للإنتخابات الرئاسية خطوة كبيرة وتحديّا كبيرا من إمرأة مناضلة تملك الكثير من الإحترام والتقدير لمواقفها وتاريخها النضالي من أجل الحرية والديمقراطية في تونس. وأكّد أنّه في مجتمعات مازالت المفاهيم الذكورية مُسيطِرة فيها رغم المظاهر الحداثية التي وجدت فيها، يشكّل ترشّح كلثوم للإنتخابات الرئاسية تحديّا جديّا في وقت تراجع فيه الإهتمام بالمرأة وحقوقها في ظل الإنتكاسات الفكرية والسياسية التي تشهدها المنطقة العربية بمُجملها والتي تشكّل المرأة الحلقة الأضعف فيها.
كما يعتبر ترجمان أنّ نجاح السيدة كنّو في الوصول كمُرشّحة وحيدة للمرأة في تونس يجعل هذا الترشّح مكسبا تاريخيا لنضال المرأة في مواجهة مفاهيم ذكورية المناصب في المجتمعات العربية الإسلامية.
الإعلامية إعتدال المجبري أكّدت الفكرة نفسها تقريبا إذ تقول: بالنسبة إلي، صنعت السيدة كنو، بترشّحها، الحدث، ليس لأنها امرأة فحسب، بل لأنها أثبتت أن امرأة يشهد لها القاصي والداني بالكفاءة وبمصداقية عالية، يمكن أن ترتكز إلى مسيرة نضالية جد محترمة لتتقدم إلى كرسي الرئاسة. وهذا في حد ذاته مكسب من الأهمية بمكان في كسر صورة المرأة الديكور السياسي وكسر النمطية السائدة في أن هذا السباق يبقى حكرا على الرجال.
الفكرة نفسها تبنّاها المحامي والخبير السياسي حازم القصوري إذ يعتبر أن مشاركة المرأة في أيّ استحقاق إنتخابي هو أمر إيجابي، فما بالنا بمشاركتها في الإنتخابات الرئاسية. هذه الإنتخابات هي محطة مفصلية في تاريخ تونس الجديدة وإن لم تحسم المحكمة الطعون بخصوص المترشّحات الأخريات يمكن اعتبار ترشّحها هاما جدا في رمزيّته في تونس والمنطقة العربية إن لم نقل رسالة إلى العالم الحرّ مضمونها "تونس نموذج فريد". المهم أنه تأكيد أن مشاركة المرأة التونسية في هذا الإستحقاق حقّ وليس تجميلا لهذه الإنتخابات التي تمثّل اختبارا للوطن ومسؤولية شعب ورسالته للعالم بأن المرأة التونسية تحمل مشروعا مجتمعيا جديدا على درب الحرية.
إن مسألة كونها امرأة في مجتمع ذكوري قد تكون في غير صالحها، كما يرى ذلك عبد الباسط السماري الناشط سياسي والخبير في البنية التحتية، إذ يعتبر، آسفا لهذه الفكرة، كونها امرأة داخل مجتمع ذكوري، قد لا يخدم حملتها الإنتخابية.
ويؤكّد الفكرة باسل ترجمان، حيث يعتبر أن الشارع التونسي وخاصة بعد الإنتكاسات التي شهدها المجتمع إثر هستيريا الجماعات الإسلامية وتركيزها على العداء للمرأة أدّت لخلق مجموعات تتبنّى العداء المُطلق لحقوق المرأة تحت مُسمّيات إسلامية يجعل من القبول بفكرة قيادة المرأة للدولة أمرا بالغ الصعوبة في الظروف الحالية.
أما عن مدى حظوظها في الفوز في هذه الإنتخابات، فإنّ معظم الإجابات لم تختلف، بل ارتبطت بالصعوبات التي قد تتعرّض لها كلثوم كنو ممّا قد يؤثر على مجريات الأمور في هذه الحملة الإنتخابية الرئاسية.
يقول باسل ترجمان أن إمكانية تحقيق السيدة كلثوم للفوز لتكون أول رئيسة دولة عربية منتخبة بكل ديمقراطية يواجه عدّة صعوبات وتحديات، ومن أهمّها أنّ الجبهة السياسيّة الواسعة التي تشارك فيها لم تخترْها مرشّحة لها بل رشّحت السيد حمّه الهمامي، وبالتالي أصبحت الأحزاب المشاركة في الجبهة منقسمة بين مرشحيْن، وهذا التشرذم سيضعف المرشّحين ويقلّل من فرص حصولهما على إمكانية وصول أحدهما للدور الثاني في الإنتخابات الرئاسية.
كما أن حملتها الإنتخابية تفتقر إلى خطاب موجّهٍ أساسا للمرأة وللشرائح الفكرية والإجتماعية القريبة فكريا وسياسيا من الجبهة الشعبية، وخاصة الطبقات الشعبية والعمّال والفلاحين التي تعتبر الجبهة نفسها نصيرهم والمُعبّر عن طموحهم وآمالهم.
السيدة كلثوم كنو مثقّفة ومناضلة قديرة لكنها لم تستطع أن تفرض نفسها بقوة في المساحة الثقافية واكتفت بدور المناضلة الحقوقية الشيء الذي أفقدها مساحات كبيرة من التواصل الإجتماعي.
بالنسبة إلى عبد الباسط السماري، فإن كلثوم كنو لا تملك مساندا أو ظهرا لها مثل غيرها، لا أحزابا قوية ولا قوى أجنبية. لا قاعدة شعبية لها، لا إعلاما مُكرّسا لخدمتها، ليس لديها برنامج، ولا تملك لوبي سياسي مالي لتسهيل مهمتها. باختصار لديها كلّ شيء في غير صالحها.
حظوظ كلثوم كنو في الفوز تبقى رهن الظروف والمؤثرات، وكما يقول حازم القصوري، الحظوظ متوفرة بالتأكيد وخبراء الإنتخابات يقولون أن هذا الإستحقاق ليس بالعلوم الصحيحة وعليها تظل المفاجآت تحوم حول النتائج. مضيفا أنه من الطبيعي أن تكون كلثوم كنو في هذا الإستحقاق مادامت استوفت شروط الترشح، وهي ترتكز على الرصيد النضالي وهذا هام إن لم نقل ضروريا لرسم معالم وطن يحمل حلم الحرية وترفع رايته حُرّة من حرائر تونس التي نحبّ.
إعتدال المجبري كانت واضحة في إجابتها عن حظوظ فوز كنو بالرئاسة، إذ تقول: بكل موضوعية لا، مبرّرة ذلك بأنّه ليس لأن السيدة كلثوم كنو ليست أهلا لهذا المنصب أو أنها تنقصها الكفاءة لتولّيه، وإنما لأن "اللعبة السياسية" تخضع لتوازنات داخلية وخارجية خاصة في ما يتعلق بأعلى هرم في السلطة. وهذا في المطلق يحسب لها، ولكن منطق الوصول إلى أعلى هرم في السلطة وميكانيزماته تحكمها حسابات أخرى. في المقابل، بمقدور السيدة كنو أن تصنع الحدث على مستوى النتائج والترتيب ضمن المترشحين، فهي امرأة عرفت بتاريخ نضالي كبير ولها من المصداقية الكثير وعلى كل، لم تحسم الأمور بعد، ولعل ما تبقى من الوقت نحو الرئاسية يطالعنا بجديد في خصوص إسنادها من عدمه في هذا المنصب.
يقول في هذا الإطار باسل ترجمان أنه في مواجهة غياب مرشّح النهضة للإنتخابات الرئاسية تناثر المرشّحون السبعة والعشرون للإنتخابات الرئاسية على مساحة الأصوات المتاحة في هذه الإنتخابات لتظهر في مجمل نتائجها شخصيات ضعيفة وفاقدة للشعبية وتترك لشخصيتين منها التنافس على المنصب في دورة ثانية. ترشح السيدة كلثوم كنو خطوة سياسية جريئة ولكنها منقوصة كثيرا من الدعم ووحدة الموقف السياسي والتفاعل مع الجماهير وإعتبار الترشح فقط حالة إثبات وجود وليس الدفاع عن فكرة والإستماتة للوصول لتحقيق النصر.
الجبهة الشعبية ممثلة اليسار في تونس ستكون الخاسر الأكبر في الإنتخابات التشريعية والرئاسية بسبب ضعف قدرتها على التواصل الإجتماعي وتقوقعها في خطاب محدد الكلمات ولفشلها، وهذا الأخطر في دخول الإنتخابات الرئاسية بمرشح واحد، لكن المؤكد أن الجبهة ستشهد إعادة صياغة لواقعها القادم وسيكون رحيل الفاشلين في الإنتخابات وقيادة هذه المرحلة أهم خطوة للبدء بتحديد خططها ورؤيتها للسنوات الخمس القادمة.
يختم ترجمان كلامه قائلا: كلثوم كنو قد لا تستطيع الفوز بهذه الإنتخابات ولكنها بالتأكيد نجحت بفرض اسمها بكل احترام في تاريخ تونس الحديث، وسيكون لها دور مهم في المشهد السياسي القادم في تونس بعكس الكثير من السياسيين في تونس الذين سيخرجون من الباب الصغير بعد حصدهم للفشل المتوقع في الإنتخابات التشريعية والرئاسية.
عبد الباسط السماري يعتبر أن كلثوم كنو لا تتوفر فيها الشروط المطلوبة لهذا المنصب، فهي ليست سياسية مثل أم زياد أو مايا القصوري أو غيرهما، هي امرأة منغلقة داخل عالمها القانوني، قائلا: حسب رأيي الشخصي، لقد اقترفت خطأ كبيرا بترشحها للانتخابات.
أكثر من شهر يفصلنا عن موعد الإنتخابات الرئاسية المُزمع تنظيمها في 23 تشرين الثاني/نوفمبر. معركة الفصل بين سنوات من الحكومات المؤقّتة، والرئاسة المؤقّتة، في تونس ما بعد انهيار نظام بن علي، نظام الحزب الواحد والرئيس الواحد. تونس اليوم على أعتاب مرحلة جديدة مرتبطة بمدى شفافية الإنتخابات وصدق الصناديق، وقدرة المترشحين على الإقناع. كلثوم كنو امرأة تدخل التجربة مستقلّة في مواجهة أسماء معروفة على الساحة السياسية وأحزاب قويّة لها عتادها الشعبي قبل المالي.
في انتظار الإنتخابات، تبقى تونس في طور المؤقّت، وفي انتظار ما ستقدّمه الصناديق، تبقى تونس صندوقا أسودا لأسرار قد نعرفها بعد الإنتخابات. وفي انتظار أن تستعيد المرأة التونسية ثقتها بمستقبلها، تبقى كلثوم كنو أوّل امرأة تترشّح للإنتخابات الرئاسية في تونس وبالتالي ضمنت دخول المغامرة، مهما كانت النتائج.