الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

انطباعات أنثوية (1) المرأة بين المقدمة والمؤخرة

  • 1/2
  • 2/2

شرعتُ منذ مدّة في قراءة أحدِ كُتب التنمية البشرية، وحين بلغتُ منتصفه، تذكرت أني أُغريت بعنوان الكتاب ولم أقرأ اسم مؤلِّفه؛ فعدتُ إلى الصفحة الأولى لأقرأ اسم صاحِب هذا الكِتاب المميّز: "كارول فيدمان"، عرفت على الفور أنّ "كارول" هو اسم امرأة، وأنا في العادة حين أقرأ كتابا لا أعرِفُ مؤلِفه يتبادر إلى ذِهني تِلقائيا أنّ الكاتِب رجل. ربما ينتابني هذا الشعور لأنني قرأت لكُتاب أغلبهم رجال، أو لأنَّ الكتب الصادرة في وطننا العربي أغلبها موقّعة باسم رجل. لم يهُمّني هذا الأمر كثيرا، وإن كنت أمتلك تجارب سيئة مع بعض النساء العامِلات في بعض المهن، كالطبيبة التي رفضَت الكشف عن ضرسي المشروخ وارتعبت منه حتى ساء حاله أكثر، أو المدرسات اللواتي كُنَّ يأتينَ إلى القسم مُتعبات ليصبُبنَ جام غضبهنَّ علينا نحن معشر التلاميذ، أو موظَّفة المقاطعة العابسة دائما والتي كانت تقطّب في وجهي ووجه كلِّ مَن يلجأ إليها لاستخراج شهادة سكنى. أولئك النسوة كُنَّ في رأيي مجرد ضحايا لمُجتمع يُطالِبهن دائماً بأن يكُنَّ مساوياتٍ للرجل على المستوى المهني، ويزيد على ذلك مُطالبتهن بأن يكنَّ زوجات وأمهات بلا نقائص... يحدث هذا فقط في مجتمعاتنا العربية حيث يتعيَّن على المرأة أن تبذل مجهودا مُضاعفا وتؤدي دورا مُزدوجا لتُثبت أنَّها ليست أقلَّ مِن الرجل، بينما يُمكن للمرأة في الغرب، أن تهتم بدورها في المجتمع كامرأة عاملة دون أن تلاحقها تبعات الزواج والأمومة..
لكن عندما يتعلق الأمر بالثقافة والذكاء والتأليف والإبداع، فإنّ المرأة تستطيع أن تكون ندا لزميلها الرجل في كل المجتمعات.. وإذن رأيي في الكتاب لم يتغير، ولكني سارعت _كعادتي كلَّما تعرفت على كاتب جديد_ إلى محرّك البحث "جوجل"، لمعرفة المزيد عن صاحبة الكتاب. كنت على يقين بأنها امرأة جديرة بالاحترام، ومهما كان عمرها فإنها _حتما_ تمتلك من المؤهلات ما مكنها من تناول مواضيع تخص العقل البشري، وتؤثّرَ في القراء على اختلاف مشاربهم.. وما إن كتبت اسمها في المكان المخصّص لذلك على محرّك البحث، حتى أيقنت أن هنالك خطأ ما..
كانت كلُّ الصور التي ظهرت لي إيروتيكية.. رافقتها روابط تبدأ بعبارة: "فوز كارول فوردمان بأحسن مؤخرة". قلت لنفسي إنّه تشابه أسماء لا محالة، فأنا أبحث عن كاتبة، وليس عن عارضة أزياء !
أمعنت البحث في مزيد من الروابط، ولم تكن هناك إشارة إلى "كارول فوردمان" المؤلفة بقدر ما وجدت روابط تتحدث عن حسناء خمسينية، ذات جسم متناسق وجميل.. كانت هناك مواضيع عدّة تتحدث عن أزيائها، وغذائها، وسرّ رشاقتها.. لكن لا شيء أبدا بخصوص المؤلِفة التي أبحث عنها. عدتُ مرة أخرى إلى الكتاب لأتأكد أني قد كتبت الاسم بشكل صحيح، ثم بدأت أفتح الروابط كلها واحدا واحدا، حتى وجدت أحدها يشير إلى: "فوز المذيعة.. بأجمل.." وتذكرت أن الكاتبة كانت قد لمَّحت في كتابها إلى أنها في الأصل مقدمة برامج ثقافية، وتساءلت أيعقل أن تكون هي المقصودة؟
بعد قليل من البحث تأكدت أن صاحبة كتاب "العقل الخارق" وغيره من الكتب التي حققت مبيعات تقارب المليون نسخة هي نفسها المرأة المثيرة صاحبة أجمل مؤخرة !
هل يحطُّ الجسم الجميل من قيمة المرأة المثقفة؟
الإهتمام الإعلامي الكبير بـ "كارول" الفائزة بأجمل مؤخرة، على حساب "كارول" المؤلفة ومقدمة البرامج الثقافية الراقية، ليس إلا دليلا إضافيا على أنَّ عدد المهتمين بالجمال الأنثوي على سطح الكرة الأرضية يفوق عدد المهتمين بالعلم والثقافة بدرجة كبيرة. وإذا كان من مصلحة المرأة الفارغة من الداخل، أن تحظى بجسم جميل يستر عورة عقلها الأجوف، ويشدّ إليها الأنظار، ومن ثمة يؤهلها إلى الارتقاء.. فإن جمال المرأة المثقفة والذكية قد يشكل عبئا عليها، وعائقا أمام تقدّمها، لأنه يجذب الأنظار إليها باعتبارها قشرة لامعة ليس إلا. وكثيرا ما تعاني المرأة الجميلة الناجحة في ميدان ما، من الاعتقاد السائد أنها بلغت ما بلغته اعتمادا على مظهرها الخارجي. كأنه من العجب أن تكون المرأة جذابة وذات كفاءات عالية في نفس الوقت.
المرأة إذن، هي القالب المثير أولا، ثم الثقافة والكفاءة المهنية بعد ذلك.. يحدث هذا في كل المجتمعات؛ المتحضِّرة والرجعية.. العربية والغربية.. حيث يندُر أن تجدَ إعلانا لسيارةٍ أو مشروب غازي، أو شركة طيران، أو آلة حِلاقة رجالية، إلا وقد تمَّ إرفاقه بامرأة جميلة يُحبّذُ أن يزيد في جسدها المكشوف عن المستور لتزداد إمكانية نجاح الإعلان. ومن النادر جدا أن تحصل الممثلة العبقرية على دور البطولة، ويندر أكثر أن تحصل الحسناوات على الأدوار الثانوية..
لا تحط الأديان ولا القوانين من شأن المرأة كما تفعل العقائد المجتمعية المتوارثة عن قرون من هيمنة الفكر الذكوري.. الانتفاضة على هذا التشييء الذي يطال المرأة، لا يمكن أن يتحقق في أيام ولا أسابيع، إنه عمل يحتاج إلى كثير من العزم والتضحية، يحتاج إلى وعي نسائي كبير بأن المرأة تستطيع أن تغير العالم بعقلها وحده، إنها ثورة شبيهة بتلك التي حدثت عندما توصل الإنسان ذات يوم إلى أنه يستطيع أن يحقق بعقله أضعاف ما يمكن أن يحقق بقوته العضلية، ومن ثمة أدرك سرّ تميزه على باقي الكائنات.. فالنظرة الدونية للمرأة باعتبارها جسدا بلا روح هو ما يحط من قدر المرأة وينزل بها إلى مصاف الكائن غير العاقل.. ودون أن تتفق بنات حواء كلهن، في كل بقاع العالم على أن جسد المرأة هو ملكها الخاص المترفّع عن أصحاب الإعلانات التجارية، ومروجي جهاد النكاح، وذوي المصالح والأطماع.. دون أن يتحقّق ذلك، ستبقى المرأة دائما في كل المجتمعات والعصور، ذلك الأصيص الجميل الذي لا يهم إن كان يأوي في داخله زهورا أو أعشابا سامة.
أنا لم أغير رأيي في كتاب "كارول فوردمان"، ولكني حمدت الله لأني تعرفت عليها أولا من خلال كتابها، وليس من خلال صورها أو سيرتها في استفتاء المؤخرات، لأن هذا كان سيجعلني _حتما_ أشك في مؤهلاتها الثقافية والأكاديمة، وأعزف عن القراءة لها، مع أنها في حقيقة الأمر شأنها شأن أي ّامرأة تحتاج أن تُقرأ من الداخل حيث يتربّع العقل ويسمو بها إلى المقدّمة..

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى