المرأة هي الشق الثاني من الإنسان المعمر لهذه الأرض، ولفظة (المرأة) في اللغة العربية مشتقة من فعل (مرأ) ومصدرها المروءَة وتعني (كمال الرجولة) أو (الإنسانية) ومن هنا كان (المرء) هو الإنسان، والمرأة هي (مؤنث الإنسان).
وتقاس أهمية أي وظيفة بعدة مقاييس من أبرزها الآتي:
1 ـ أهمية الإنجاز الذي تنتجه الوظيفة.
2 ـ مدى الجهد المبذول للقيام بها، والكفاءة المؤهلة لذلك.
3 ـ نسبة توفير البدائل والخيارات لأدائها.
فكلما كان الإنجاز أهم، والجهد المبذول أكبر، والتأهيل المطلوب أرفع، والبدائل أقل، كانت الوظيفة أرقى وأعلى...
على أساس هذه المقاييس يمكن اعتبار الأمومة أرقى وظيفة في المجتمع البشري. فهي ترتبط بإنتاج الإنسان نفسه، وصنع شخصيته، وذلك إنجاز لا يساويه أي إنجاز...
دعونا نقف في محراب الأمومة ولننصت لما يقوله الدكتور مصطفى محمود: ما أحلى اسم الأم.... ما أعظم وقعه على الأسماع إنه أَعذب الأَنغام... الأم واحة خضراء.. الأم هي البلسم الشافي.. هي الشمعة التي تضيء لنا الطرق.
في السنوات الأولى من عمر الإنسان تتشكل ملامح شخصيته، وتنغرس بذور صفاتها الأساسية لذلك يسميها خبراء التربية بالسنوات التأسيسية، وفي هذه المرحلة يكون الطفل في أشد مراحله العمرية التصاقاً بالأم، والارتباط النفسي والعضوي بين الطفل وأمه يجعل إمكانية التأثير المتبادل بينهما هو العامل المؤثر في تكوين شخصية الطفل وبنائها.
فالأم هي العنصر الفاعل في ترقية سلوكيات الطفل وتشكيل عواطفه، وتهذيب أخلاقه وتعميق المفاهيم القيمية لديه، وفي إشباع حاجاته النفسية والبدنية والفكرية وكلما كانت الأم واثقة من نفسها ومتمكنة علمياً، وتتمتع بمواصفات الأمومة الحقة كانت نتائج تربيتها لأولادها أعمق أثراً وأكثر فاعلية وإيجابية... فهي المهندسة البارعة التي إن أحسنت توظيف قدراتها ومعارفها بنت إنساناً معافى فكرياً ونفسياً وبدنياً واجتماعياً... وتشكلت لديه عناصر تتصف بالقدرة على ممارسة دور فاعل في مستقبله على مسرح الحياة.
كان العرب الأوائل حينما تعجبهم متانة شخصية إنسان وقوته يصفونه بأنه (قد شبع من حليب أمه) للتعبير عن الارتواء من مناهل عطف أمه وحنانها ورعايتها وتوجيهها في صغره، ما جعله متميزاً بصفات قوة الجنان والشخصية، اللذين يثيران إعجاب واحترام الآخرين.
وللأدب دوره في التفسير الدقيق لهذه المعاني، التي تبرز مواصفات الأمومة فهذا ميخائيل نعيمة يقول: «ولعل الأمومة هي الصف الأول في مدرسة متعددة الصفوف يفنى كل واحد منها في الذي يليه، إلى أن تبلغ الإنسانية الصف الأخير، حيث يفنى الكل في الواحد، ويتسع الواحد فيشمل الكل، وللوالدات المجد في أن يكن من الإنسانية طليعتها المباركة في طريق نكران الذات، نكران ذات محدودة للوصول إلى الذات التي لا تحد...
ألا رفقاً بالوالدات حتى اللواتي يظهرن للناس ولأولادهن كما لو كن غير صالحات، أفما كفاهن صلاحاً أن تختارهن الحياة آنية صالحة للحياة...».
قارئي العزيز، وقارئتي العزيزة.
أحمد الله الذي أفاء عليَّ بنعمه، فهذا كتابي السادس من سلسلة نحن وأبناؤنا بين يديك، وأعتبره الجزء الثاني، لكتابي الثالث المتخصص بالدور الأمومي حصراً (الأمة نسيج الأمهات)، حيث وجدت أن هنالك جوانب لابد من بحثها لإكمال الدور الأمومي، إضافة إلى التطورات التربوية المعاصرة التي من المفروض أن تستوعبها الأم، لتواكب روح العصر ومعطياته، فتطور ذاتها كونها القدرة الإبداعية الخلاقة التي تبني الإنسان....
ولابد لي من أن أشير هنا إلى أن الإنسان في عصر المعرفة هو الثروة الحقيقية وبناء الإنسان بالمعرفة المبنية على قاعدة وعيه لذاته ولهويته الحضارية هو سر قوة المجتمعات، ونحن أحوج ما نكون لهذا في عصر المعلوماتية، فالمجتمع معرفة، والمعرفة لا تكون قوة حتى تمس إرادة الإنسان، ولن تكون قوة ما لم تقدم للإنسان عالماً جديداً يتفاعل معه ويتفهم معطياته ولن تكون قوة ما لم يخطُ الإنسان خطواته المجردة عن الهوى لبلوغ الكمال... وتفقد رونقها إن سعت وراء مثل أعلى دون الكمال...
يقول جبران:
«إن كلمة الأم تختبئ في قلوبنا مثلما تختبئ النواه في الأرض وتنشق من بين شفاهنا في ساعة الضيق والفرح كما يتصاعد العطر من قلب الوردة في الفضاء الممطر والصافي».
وهنا لابد من الانتباه إلى المعارف الموجهة للإنسان لكي تبقيه في دائرة الإنتاج المميز لحضارته الإنسانية، ودور الأم هنا بالغ التأثير فهي مُدرِّسة وهي مَدرَسة.. لأنها تبني الأجيال المؤمنة والمتمسكة بهويتها فهوية الإنسان العربي متميزة بأصالتها الإنسانية والحضارية، ولابد من المحافظة عليها كي لا تصيبها وافدة بشائبة تلغي أو تضعف وجودها. فدور المرأة في حياتنا الحاضرة لا يمكن إغفاله، ذلك أن التطورات العلمية والتكنولوجية لا تمس الرجل وحده، وإنما المجتمع بأسره، وقد انقضى زمن ترك المرأة كمَّاً مهملاً..
وإني أشد على أيدي أولئك الذين ينظرون إلى أن تقدم المجتمع البشري لا يتم إلا بإشراك المرأة في العملية الإنتاجية، ومساهمتها كعنصر بشري مساعد للرجل وليس متسيد أو متسلط عليه.
فالمرأة هي الأم وهي المربية أكانت في البيت أو العمل، وهي مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق... وهي كما يقول نابليون بونابارت: أعطني جيلاً من الأمهات القديسات وأنا المسؤول عن تغيير وجه المجتمع، ومهمة المرأة ليست مقصورة على إنجاب الأولاد وتربيتهم فحسب، فهي نصف المجتمع وهي التي تبني المجتمع من خلال تقديم أجيال تتمتع بطاقات وإمكانات فاعلة، وهنالك صحوة اجتماعية تدعو لتعزيز دور المرأة لتتوفر لها كل السبل والإمكانات لتواجه متطلبات الحياة المعاصرة في الحدود اللائقة بما يضمن المحافظة على الأسرة والمجتمع....
وقد أجاد الشاعر المهجري نعمة الحاج القائل:
فيا أمُّ يا شَمْسَ المحبَّةِ، نُورُهَا
يَظَلُّ حَنَاناً في الوُجُودِ مُشَعْشِعَا
ويا أمُّ يا نَبْعُ الحياةِ، فُؤادُها
إذا جَفَّ نَبْعٌ كانَ للحُبِّ مَنْبَعا
ويا أمُّ يا مَلجَأَ الأمانِ، ولاؤُهَا
يَرَى القَلْبُ فيهِ في المُلِمَّاتِ مَفْزَعَا