الصداقة ضرورية لكل انسان، إذ اننا نجد من الصديق سلوى ومؤانسة وانحيازا نحتاج اليها في حالي الضيق والسعة على السواء. ونحن نختبر اصدقاءنا عادة بحيث يتفقون معنا في الرأي، او يتكافأون معنا في الثقافة واسلوب العيش. وبعيد ان نصادق من نختلف معه في كل من الاشياء - - وكثير ما نتجنب حتى اقرباءنا بل اخواننا اذا وجدنا اننا لسنا واياهم على وفاق في اسلوب العيش او الرأي او العقيدة او الثقافة او الدرجة الاجتماعية.
وفي العراق حيث لا يزال الاتجاه العام يميل الى تميز الشاب على الفتاة في كثير من مجالات الحياة، نجد ان التكافؤ الثقافي بين الزوجين معدوم نسبيا وان الهوة بينهما كبيرة، ومن ثم تكاد تنقطع بينهما اسباب الصداقة.
والرجل قد يعيش مع زوجته نحو اربعين او خمسين سنة، وليس هذا العيش سهلا اذا لم تكن هناك صداقة تربطهما. ولذلك غالبا ما يتجه الرجل الى خارج بيته حيث الاصدقاء من الرجال يقاعدهم في المقهى، او في النادي، ويجد فيهم بديلا من الزوجة.
وفي اوربا تتعلم المرأة كالرجل تقريبا، ولذلك يتكافأ الزوجان في الثقافة، فتصبح المرأة واذا بها ليست زوجة فحسب بل صديقة لزوجها ايضا. يشتاق كل منهما الى رؤية الاخر، ومجالسته ومحادثته، ويخرجان معا، ويقرآن الكتب التي يشتريها احدهما معا، ويناقشان موضوعهما معا.
والى ان نصل الى هذه الحال، اي الى ان نسوي بين تعليم الشاب والفتاة بلا تفرقة او تميز، نحتاج، نحن الازواج، او المرشحين للزواج، الى ان نرفع زوجاتنا الى مطاف الرأي والمعرفة والثقافة التي ننعم بها. وليس هذا بالامر الشاق، كما يتوهم القارئ.
المهندس مثلا لا يحتاج الى تعليم زوجته دقائق الهندسة الآلية او الكيماوية. والمحامي ليس بحاجة الى ان يشرح لزوجته فقه القانون الروماني. والطبيب لا يحتاج الى ان يدرًس لها الفسيولوجية. ليس هذا ضروريا وان كنا قد رأينا ازواجا استطاعوا ان يشركوا زوجاتهم حتى في هذه الاشياء الفنية !
لسنا في صداقتنا لزوجاتنا نحتاج الى كل هذا وانما نحتاج الى ان نتحدث اليهن عن شؤةننا المهنية حتى نثير استطلاعهن ونبعث فيهن الشوق الى التعرف على اعمالنا.
واولى من هذا واسهل ان نجعل الجريدة اليومية والمجلة والكتاب بعض أثاث البيت، نشتريها في عناية، ونختار منها الاحسن والانفع ونقرأها مع زوجاتنا ونناقش ما فيها من شؤون سياسية او اجتماعية، وبهذه الوسيلة يتقارب الزوجان تقاربا ذهنيا، ويتفقان على مبدأ في الرأي والعقيدة.
وقد يقول القارئ ان الحديث عن السياسة او قراءة الجريدة ليس كل شيء في التكافؤ الذي يؤدي الى الصداقة. ولكن هل هذا القول صحيح ؟ - - - اليست السياسة كل شيء في ايامنا هذه ؟ اليست هي التي تسيطر على حديثنا وتثير اهتمامنا ؟ - - - فالكلام عن السياسة هو في عصرنا هذا حديث في العلوم والاجتماع والاقتصاد معا. فالقنبلة الذرية والغلاء والاستعمار والانقسام الديني والمذهبي واثمان النفط والتأمين من المرض والطيران واضراب العمال، كل هذا وغيره قد اصبح من صميم السياسة.
ومتى شرعت الزوجة التي لم تلق عناية كبيرة قبل الزواج بتعليمها، في قراءة الجريدة مع زوجها ووجدت منه المفسًر والموضًح الذي يستخلص لها العبرة، فلن تمضي سنوات حتى تكون على تكافؤ يكاد يكون تاما مع زوجها، نورا وعرفانا ورأيا واطلاعا، وعندئذ تسعد هي بصداقته كما يسعد هو بصداقتها.
عندما كنت اعيش في بغداد في الستينيات، عرفت رجلين يختلفان في المهنة واسلوب العيش، تزوجا اختين على قدر متساو من التعليم. وهو تعليم ابتدائي قليل النفع سريع الزوال. ولكن احد الزوجين جعل زوجته شريكته في المجلة والجريدة، والاخر لم يبال هذا الاشتراك.
وقد مضت عليهما نحو 15 سنة، فماذا كانت النتيجة ؟
الاولى، تقرأ وتناقش وهي صديقة زوجها، عندما يقعد اليها يجد ان الحديث يرتفع عن القيل والقال الى موقف ايزنهاور الامريكي وكورباشوف الروسي، واتجاه حزب الشعب من معاهدة كذا، والفرق بين حزب العمال وحزب المحافظين في الاستعمار - - الخ
اما الاخرى فقد نسيت القراءة تماما، ولذلك هجرها زوجها الى المقهى، واخذ يعيًب عليها جهلها !
ولا شك ان المدارس في المستقبل ستغنينا عن هذا الجهد عندما تعني برفع مستوى الزوجة الى مستوى الزوج بمحو الفروق التعليمية بين الجنسين. ولكننا الان في حاجة لان يعني كل زوج منا بزوجته حتى يعلمها ويثير اهتمامها ويوقظ ذهنها. وخير الوسائل الموقتة لذلك هي الجريدة اليومية والمجلة الرائدة. والمجهود الذي يبذله الزوج في هذا السبيل ليس مجهودا ضائعا. وحسبه انه بذلك يكسب صاقة زوجته، تلك الصداقة التي تفسح له آفاق السعادة الزوجية والهناء العائلي.
* فن الحب والحياة لسلامة موسى مع التصرف