في اجتماع برنامج التوستماسترز الأخير، تقرر أن تكون ثيمة الاجتماع حول المرأة العمانية، نظرا لتزامن موعد الاجتماع مع احتفالات السلطنة بيوم المرأة العمانية، تعددت المواضيع التي كانت تستعرض تجارب شخصية، ونماذج نسائية ناجحة ومشرفة، ما لفت انتباهي أن لا أحد من النساء ذكر المرأة الوزيرة، أو المرأة الاقتصادية، ولا حتى المرأة المعلمة، فقد تناولت (أمل) مثلا في خطابها سيرة والدتها، التي تعتقد – وقد أقنعتني شخصيا بذلك – بأنها النموذج المشرف للمرأة العمانية، فهذه المرأة القروية البسيطة التي عرفت بأم البنات في حيها، لكون المولى لم يرزقها سوى بالبنات، أوحت لها فطرتها بأن تثبت لمن حولها بأن البنات لسن بأقل من الأولاد في شيء، قادتها قناعاتها وهي الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب إلى حقيقة أن العلم هو ما سيثبت للعالم قدرات بناتها، فعكفت على مواصلة الليل بالنهار في تشجيعهن على التحصيل العلمي، وكانت وهي الأمية البسيطة تعول على استذكار الدروس أهمية كبيرة، فكانت تجلس بناتها أمامها بالساعات ولا تتركهن إلا وقد اقتنعت بانهن قد أنجزن فروضهن، ماهي الوسيلة التي كانت تعرف بها ذلك، لست أدري، مرت السنوات و (أم البنات) تكافح من أجل قضية آمنت بها، رافضة الاستسلام لنظرة المجتمع التي تحمل الشفقة أحيانا والشماته أحيانا أخرى، متسلحة بإيمان قوي بأن التعليم هو السلاح الوحيد الذي تحتاجه هي وبناتها، وكانت على حق، اليوم (البنات) حققن مالم يحققه الذكور من أبناء من كن يسخرن منها، فمنهن أصبحت استشاري أول أمراض عقم وولادة و الأخرى دكتوراه في علم الأسماك أقلهن مؤهل تحمل درجة البكالوريوس في الإعلام والعلاقات العامة، أمل بدأت خطابها قائلة: قضيت أياما على الشبكة العنكبوتية أحاول العثور على اسماء لنساء عظيمات يصلحن بطلات لخطابي هذا فلم أجد أعظم من أمي. (بدرية) بدأت خطابها بلهجة غاضبة وهي تسترسل قائلة: على مدى أيام وأنا أتابع أخبار الاحتفالات بيوم المرأة العمانية، كان الجميع يتحدث عن المرأة الوزيرة و المرأة السفيرة والمرأة الطبيبة، لم يذكر أحد أهم النساء على الاطلاق: ربة البيت العمانية، التي على أكتافها نشأت النهضة، فهي المربية و هي صانعة الأجيال، فهؤلاء الوزيرات اللائي يتغنى بهن الجميع هن نتاج (موظفة) من نوع نادر ومختلف تماما، إمرأة تعمل مدى الحياة، وتخرج من العمل بدون معاش تقاعد تستند عليه في شيخوختها، موظفة تعمل على مدار أربعة و عشرين ساعة في اليوم بدون (ساعة غداء) وبدون إجازة سنوية ولا حتى إجازة مرضية، إمرأة راتبها الوحيد الذي تطمح إليه هو ابتسامة من فم طفلها، و ترقيتها الوحيدة هي أن تراه يصعد سلم الوظيفة درجة درجة بكل فخر، ليس مهما أن يلتفت إلى الوراء ليلقي عليها نظرة أو يكافئها بكلمة شكر و امتنان، فكل ما يهمها هو ألا يتعثر في صعوده، وألا يصطدم بعوائق تحول بينه وبين طموحه، لا تتذمر ولا تبحث عن (الدعم) و (الفرص) ولا تتغنى بشعارات مثل(الكفاح) و الكفاءة و الشهادات المرموقة، فكل هذا لا يعنيها، هذا رغم أن كثيرا من ربات البيوت هؤلاء، يحملن مؤهلات عليا، فضلن أن يعملن بها في الوظيفة الأسمى والأعظم بالنسبة لهن، وكثيرات لم يقبعن في البيوت كما تقبع الكثير من الموظفات في المكاتب بانتظار (الفرص)، فبدرية مثلا تحمل شهادة في الميكانيكا حصلت عليها أثناء مرافقتها لزوجها اثناء إقامته خارج السلطنة، و تتحدث عدة لغات تعلمتها كلها بجهودها الذاتية، ورغم ثقافتها الواسعة و تأهيلها، إلا أن ذلك لم يمنعها من الانضمام للبرنامج الذي يشترك فيه كثير منا لتطوير مهارات الخطابة والقيادة، كجزء من تنمية المهارات الضرورية للنجاح المهني، بدرية جاءت لتؤثر في الآخرين، ولتشغل وقتها بما يعود بالنفع عليها و المجتمع من حولها، وهي بطلة من بطلاتي العديدات، اللائي أثرن في حياتي بشكل مثير منذ أن بدأت العمل مع النساء في هذه البرامج، ولوجهة نظر أمل وبدرية في الحقيقة ما يدعمه من إحصائياتنا الوطنية التي تشير إلى أن (50%) من النساء العمانيات هن ربات بيوت، و (20%) طالبات على مقاعد الدراسة، ولا تشكل نسبة المرأة العاملة أكثر من (15%) من القوى العاملة العمانية في إحصائيات 2010 المتوفرة بين يدي، نسبة ضئيلة جدا في بلد تشكل النساء فيه 49.6% من عدد السكان، و نسبة تعليم أعلى في فئة الاناث عنها لدى الذكور، و النسبة الأكبر من النساء العاملات في السلطنة في المستويات الادارية الدنيا، بانتظار الفرص و الدعم، في حين تكافح الغالبية العظمى من النساء العمانيات على أكثر من جبهة في كثير من قرى ومدن السلطنة، لتقديم نماذج رائعة للمرأة القوية المعتدة بنفسها و هويتها، مشكلتها الوحيدة أنها لاتجيد تلميع اسمها في وسائل الاعلام، فتعيش و تموت لم يشعر بها أحد، لكن شئنا أم أبينا فبصمات هذه المرأة العمانية مسجلة من ماء من ذهب في حياة أمل وشقيقاتها، في إنجازات كل وزيرة وعالمة وطبيبة.
hamdahus@yahoo.com