الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

هل هيبة الوطن في انشطار هويّته؟

  • 1/2
  • 2/2

منذ ثلاث سنوات ونحن نعيش على وقع تحاليل سياسية استعمل أصحابها مصطلحات عديدة من أهمّها مصطلح "هيبة الدولة". فمن قائل أنّ الرئيس المؤقّت انتهك هيبة الدولة لأنه لبس البرنس ولم يستعمل ربطة العنق وفتح قصر قرطاج لأبناء الشعب الزوّالي، إلى قائل أنّ حكومة الترويكا ذات الأغلبية الإسلامية هزّت هيبة الدولة لأنّ اغلب الوزراء من ساكنة المناطق الداخلية (وجوه سمراء ولكنة تتسم بالخشونة) ومن المساجين السياسيين الذين قضّوا أكثر من ربع عمرهم في سجون النظام القديم، فهم لا يُحسنون الإيتيكات ولا الحديث بلغة موليار ولا يحقّ لهم السكن بقصور الضواحي الشمالية. فتلك الضواحي المهيأة بأفضل الطرقات وأجمل المساحات الخضراء والتي استأثرت منذ عهد البايات بامتيازات الخدمات البلدية والأمنية، تلك الضواحي ممتدّة الشواطئ ونقية الهواء حيث المسارح والآثار والنزل الفخمة والقصور المحاطة بالحدائق الغنّاء، حسب أصحاب نظرية "هيبة الدولة" لا تليق بهؤلاء الناس الذين عاشوا طوال خمسة عقود على الهامش الجغرافي والتاريخي والسياسي.
إنّ ثورة 17-14 جانفي 2011، شعارها الأساسي الكرامة أي حقّ "الاعتراف" ، ومطلبها الرئيسي الحقّ في المشاركة في السلطة من أجل الحصول على الحقّ في التنمية والاستثمار وحياة الرفاه. إذ بات الطريق المؤدّية للتنمية العادلة هي السلطة. وكانت كلمة العبور لدى أصحاب الثورة: "الحاكم إلّي يخاف ربّي هو الحاكم العادل" أي أنّ الإسلاميين هم المخوّلون أخلاقيا بالدفاع عن استحقاقات الثورة. من هذا المنطلق اختار الشعب في انتخابات 23 أكتوبر 2011 حركة النهضة الإسلامية يقينا منه أنّ كلمة العبور مؤكّدة لدى هؤلاء الناس، أبناء حركة النهضة عُرفوا لدى الناس بتدينهم وبانتمائهم التاريخي للنضال الاجتماعي ووقوفهم إلى جانب المستضعفين ومناصرتهم للقضايا العادلة.
لن نقول خاب ظنّ الشعب في حكومة الأغلبية الإسلامية بسبب عدم صلوحية كلمة العبور(يخاف ربّي)، ولكن لنكتف بقول أنّ جميع السياقات (الوطنية والإقليمية والدولية) لم تسمح بنجاح تجربة الترويكا في تسيير شؤون الدولة. وأعيدت رسكلة أركان المنظومة القديمة تحت مضلاّت مختلفة وأهمّها حزب "النداء من أجل تونس" الذي تمكّن من استيعاب جميع الأطياف المضادة للثورة (دساترة وتجمعيين ويسار متطرّف) ليستأثر بالمرتبة الأولى في انتخابات 26 أكتوبر 2014.
منذ اليوم الأول بعد الانتخابات التشريعية فاجئنا أصحاب نظرية "هيبة الدولة" بتصريح للسيد الطيب البكّوش أمين عام "النداء من أجل تونس"، يعبّر من خلاله عن نيّة حزبهم إقصاء عدد من الأحزاب السياسية ذات التوجه الإسلامي والعلماني الوسطي لأنها لا تليق بهيبة الدولة، وفي اليوم الأول بعد الانتخابات الرئاسية يطلع علينا مرشّح حزب "هيبة الدولة" بتصريح في إحدى القنوات الفرنسية ليشطر الشعب نصفين، مليون ومائة ناخب من الذين اختاروا الدكتور منصف المرزوقي وصفهم الأستاذ الباجي قايد السبسي مرشّح النداء، بالإرهابيين والسلفيين الجهاديين، بينما وصف النصف الثاني من الذين انتخبوه، وهم مليون ومائتي وثمانين ناخبا بالحداثيين والديمقراطيين.
إذن حسب رأي هذا المرشّح للدور الثاني للانتخابات الرئاسية الأستاذ الباجي قايد السبسي، ومن حام حوله من يسار يدّعي الانتماء للحداثة ودولة القانون واحترام الدستور، هيبة الوطن تعني انشطار هوية الشعب، وتشتيت أحلام الشباب وتقليم أظافرهم وتجفيف منابعهم ودفعهم نحو حتفهم في بحر اللمبادوزا أو جبل الشعانبي . هيبة الوطن لدى هؤلاء "الديمقراطيوون" تعني إقصاء أكثر من نصف الشعب بتعلة عدم الالتزام بنفس النمط المعيشي الذي يفرضه النظام العالمي الجديد (ما يشبهوناش قال زعيمهم)، هيبة الدولة حسب هؤلاء "الوطنيون" جدّا، تعني تعميق الهوة بين أبناء الوطن الواحد وإيقاد نار الفتنة بين مختلف الجهات.
لمن يريد أن يعرف الفرق بين وهم هيبة الدولة وحقيقة هيبة الشعب، ينظر في المرآة العاكسة للفرق بين حديث المرشّح التسعيني الذي شبّ على دولة نظام الحزب الواحد، وتربّى في مكاتب وزارة الداخلية وجيولاتها، وشاب على رأس مؤسّسات دولة نظامها متسلّط ومستبدّ، مرشّح ولد في "مخازن" البايات وكرع من مجاري "الدولة العميقة"، ومرشّح ثان شبّ على النضال الحقوقي و مقارعة الاستبداد، مرشّح يحترم نفسه فيحترمه شعبه، مرشّح معيار المواطنة لديه هو الالتزام باحترام فضاءات الحرية التي فتحتها ثورة 17-14.
تتواصل السجالات بين هيبة وطن شطروا هويته، وقصة شباب هام على وجهه في الشوارع والميادين باحثا عن هوية ووطن......... وإنه حتما لملاقيه !

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى