الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

تحيى تونس المزيانة. بين الإجرام المؤسّس... والخطأ المؤقّت

  • 1/2
  • 2/2

منذ يومين تقريبا صُعق المواطنون بمشاهدة بعض اليافطات الإشهارية التي تنشر صور "الزبلة" و"الفقر" و"آثار العنف" مضيفة إليها مفردة "مؤقّت" وتاريخ 2011-2014.
بطبيعة الحال لا تعكس هذه اليافطات خطابا مؤقّتا لحملة رئاسية مشحونة بالكراهية والعنصرية، وإنّما هي ممارسة مؤسّسة لنخب سياسية تعوّدت ابتزاز وجدان الشعوب وتزييف الوعي العام.
هذا الخطاب الذي تمارسه بعض مؤسّسات صناعة الرأي العام عبر التركيز على الصورة باستعمال المال الفاسد، يندرج في إطار سياسات إعلامية وثقافية في العديد من البلدان العربية في هذه المرحلة، التي تشهد تحوّلات في بنيات مؤسّسات الدولة شكلا وممارسة. فالحراك الاجتماعي الذي صحب ثورة 17-14 حمل إلى سدّة الحكم في تونس خلال انتخابات 23 أكتوبر 2011، قوى سياسية جديدة كانت خارج مشهد السلطة السياسية طوال حقبتي "الدولة الوطنية" البورقيبية ( ما بعد الاستقلال 1956-1987) أو النوفمبرية (ما بعد الانقلاب نوفمبر 1987-2011 جانفي). 
تتفق الأرقام والتحليلات على أنّ "الدولة الوطنية" في نسختيها مارست هيمنة سياسية من خلال عدم تشريك الأحزاب والمنظّمات المستقلة في الممارسة السياسية،روهيمنة اقتصادية من خلال مركزية التخطيط والتنفيذ للمشاريع التنموية. إضافة إلى إرساء منظومة أمنية ترهيبية لا تأبه بانتهاكات حقوق الإنسان ولا بالاعتداء على الحريات العامة. هذا الاحتكار من طرف "الدولة الوطنية" للمجال السياسي وهيمنتها على المجال الاقتصادي وممارستها لعقيدة أمنية ترهيبية، صاحبه غياب شبه تام لإعلام مستقلّ يمارس النقد أو المعارضة أو يشكّل رأي عام ضاغط.
لم نستمع إلى أصوات تنقد ممارسات العائلات المتصاهرة والمتشابكة حول مؤسّسة "رئاسة الجمهورية"، ولم نقرأ مقالات تحلّل خطورة سطو العائلة الحاكمة على الممتلكات العمومية ولا على استفحال ظاهرة الرشوة والمحسوبية التي طالت جميع مؤسّسات الدولة، ولا على عمليات المضاربة في الصفقات العمومية أو في عمليات التوريد غير القانونية والتهرّب الضريبي والقمرقي لكبار رؤوس الأموال ورجال الأعمال.
أحاط بمنظومة الفساد طبقة من الانتهازيين من المثقّفين والأكاديميين والإعلاميين الذين كان دورهم تبييض الفساد وصناعة رأي عام زائف حول إنجازات السابع من نوفمبر وصانع التغيير. ساهم الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب إلى جانب بقية الفاعلين السياسيين والاجتماعيين من جامعيين ومثقّفين على ديمومة منوال التنمية اللاّ-عادل وعلى استفحال الفساد الاقتصادي والاجتماعي وانحراف السياسات التربوية عن أهدافها العلمية والمعرفية.
جاءت ثورة 17-14 جانفي 2011 نتيجة للحظة فارقة وصل فيها ألم محمد البوعزيزي وشعوره باللاّ-كرامة أوجّه، انتحار البوعزيزي يعكس حالة شباب يائس من جميع إمكانيات إصلاح منظومة تكلّست وتعفّنت، ولم يعد الاحتجاج المطلبي السلمي يعبّر عن عمق الغضب. كان فعل الانتحار حرقا أقوى البراهين على درجة الإجرام التي مارسها النظام على شعبه، إذ الإجرام تحوّل إلى ممارسة مؤسّسة تمارسها "الدولة الوطنية" على رعاياها.
لا أحد يشكّك في أنّ "الدولة الوطنية" التي تعفّنت مفاصلها طوال خمسة عقود استمرّت في تفريخ فيروساتها بعد الثورة، ولا أحد يشكّك في أنّ حكومة الترويكا ورثت هياكل "دولة وطنية" مريضة ابتلعت رعاياها. نعم خلال سنتين من ممارسة الحكم ارتكبت حكومة الترويكا أخطاء كثيرة، بسبب ضعف الأداء وقلّة الخبرة وانعدام التجربة لكن الأكيد أنّ هذه الأخطاء لم ترتق إلى مستوى الجرائم التي اقترفتها "الدولة الوطنية " وريثة دولة الاستعمار. نعم تحرّر الإعلام وخرج من "المخزن" الذي تربّع بداخله طوال عقود من القهر والاستبداد والفساد الذي مورس ضدّ هذا الشعب الذي شبع إذلالا وقهرا. انتقل الإعلام من موقع المناشدة لنظام بن علي  إلى موقع المضاددة لحكومة الترويكا ليعود من جديد إلى موقع المناشدة لمنظومة بصدد إعادة الرسكلة.
 نعم هذه الأيام خرج علينا من ناشد النظام السابق (أبوه الحنين) وروّج لإنجازاته العظيمة (صانع التغيير) وتمعّش من عطاياه وأكل من سحته، ليلوّث ما بقي في ذاكرة الشعب من تونس المزيانة، تونس التي نعشقها  برمال صحراءها الذهبية وبجبالها العالية وبشواطئها الممتدّة وبواحاتها الجميلة وهضابها الخضراء، تونس بتاريخها وبعمقها الجغرافي، بشيوخها وبشبابها برجالها وبنساءها.
وستبقى تونس مزيانة ولو كره أبناء أبوهم الحنين... تحيى تونس !!!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى