أحسب أن ما يسود عالم اليوم من البؤس والمشاكل والهموم والقضايا المؤلمة أكثر من تلك المبشرات بالسعادة والرخاء والطمأنينة.
تضرب مفاصل كثير من المجتمعات الإنسانية حروب بينية قاتلة مدمرة، وأخرى تجتاحها معارك الطائفية والبينية والضيق بالآخر، وهناك مجتمعات مرتع لانعدام الحقوق والأمن النفسي والجسدي، وفي مجتمعات أخرى ويلات من التعصب والصوت الواحد، وهناك مجتمعات تعاني التشرد والمرض والجوع.
عالمنا بحق متوتر ومحمل بالهموم لملايين من الناس ليس في بقعة واحدة من الأرض، بل في كثير من المواقع والأماكن، وهذا الكلام لا أستهدف به دول فقيرة أو متعثرة في التنمية وتعاني ديوناً قاسية، بل يمكن أن يكون شاملاً دول الشمال، أوروبا، وأمريكا أيضاً.
بؤس الإنسان قد لا يكون في ويلات الحروب وحسب، وإنما في قسوة وجشع أخيه الإنسان، في التجاوز والتعدي على كل القيم البشرية الحضارية التي مضت مئات السنوات لسنها وتشريعها وباتت تحكمنا مفردة الحضارة وقيمها، ولكن اليوم وبحق الضربات قاسية في كيان هذه الحضارة، حتى يخيل لك بأنها من الورق.
قبل أيام نشرت وكالة بي بي سي أسوشيتد برس العالمية، تقريراً عن تفشي ظاهرة العبودية بأشكالها الحديثة في مفاصل المجتمع البريطاني، ليس هذا وحسب بل قامت السلطات البريطانية نفسها بالكشف عن هذا الخبر المؤلم في تقرير تم نشره، وقالت « إنه يوجد ما بين عشرة الآف وثلاثة عشر ألف ضحية لأوضاع تشبه العبودية، وإن هؤلاء الضحايا هم من أمثال النساء اللائي يرغمن على ممارسة الدعارة، والعمالة المنزلية القسرية، والعمال في الحقول الزراعية والمصانع ومراكب الصيد، وأن الضحايا أشخاص تم تهريبهم من أكثر من مئة دولة، على رأسها ألبانيا ونيجيريا وفيتنام ورومانيا، وكذلك مراهقون وأطفال ولدوا في بريطانيا».
مثل هذه الأخبار تعطينا دلالة للحاجة الماسة للمزيد من العمل الدولي في مكافحة عدة ملفات حيوية ومهمة، والتساهل معها سيرجع الإنسانية للحضيض، العالم بأسره ممثل بالمنظمة الأممية الأشهر والأكبر، هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها وهيئاتها المختلفة، مطالب بوقفة جادة، والدعوة لسن المزيد من القوانين لحماية الضعفاء في أرجاء العالم كافة، إذا كان هذا هو الوضع في دولة مثل إنجلترا تصنف من دول الحضارة والتميز، فكيف هو الحال في الدول الفقيرة والأكثر بؤساً وتعثراً اقتصادياً؟ من دون شك سيكون الحال أردى وظلم الإنسان متفشياً، بل معاملته كالحيوانات …