كم مرة نصدم بواقع قاسٍ ولا نفهم سبباً له؟ وكم شعرنا بالألم يتلبسنا بسبب سوء معاملة أو جفاء من إنسان كان مقرباً منا ودون أن ندرك الأسباب لتغيره وكل هذا الجمود .. في حياتنا ألوان من المواقف والصعاب والمفارقات اليومية، أناس تشاهدهم يبتسمون ويضحكون وآخرون لا ينقطع اتصالهم بك بشكل دائم ومتكرر، وفي غفلة من الزمن تلاحظ العبوس وانقطاع في التواصل، ومرة أخرى لا تفهم سبب أو علة هذا التراجع.
الخلافات تحدث ولا سبيل لإيقافها، ووجهات النظر تتباين ولا مجال لتجاهلها، ولكن أي خلاف واختلاف لا يمكن أن يسبب انهيار لعلاقة أخوية أو زوجية أو أي علاقة إنسانية قويمة صادقة راسخة، لأن ما يجمع سيكون أقوى مما يفرق، لذا تستغرب تصرفات وردات فعل البعض ممن كان مقرباً منك وكيف بسبب موقف عابر أو كلمة بسيطة حدث كل هذا الجفاء والابتعاد بل العداء، والمشكلة التي ستظل تؤرقك أن هذا الصديق أو الإنسان الذي كان مقرباً منك، قد اطلع على همومك وأسرارك ولطالما بحت له بمكنونات النفس وخلجات الروح، ومما يزيد ألمك أن ما حدث بينكما ما هو إلا خلاف عابر لا قيمة له أمام ما يجمعكم من ألفة وصداقة، وعلى الرغم من هذا حدثت القطيعة.
في هذا السياق أتذكر ما جاء في الأثر: «أحب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما». وهذا بلا شك حقيقة وواضحة وتعارف عليها الكثير وأصحاب الخبرة في التعاملات الإنسانية يدركون أبعاد مثل هذه المقولة وثباتها على أرض الواقع، نحن في لحظات الود والضحك والسعادة، ننزف مشاعرنا ونبثها كهواء ونخرج ما في القلب دون تردد أو خوف وخشية، ثم نندم لأن أدق معلوماتنا مشاعة وبين يدي ولسان إنسانة كانت بالأمس الرفيقة أو الصديقة، لكنها اليوم بعيدة يملأ قلبها الغضب والجفاء، وعندها نشعر بالندم وندرك أن أدق أسرارنا ستكون مشاعة.
تراثنا محمل بالحكم والمواعظ التي تحذر من إفشاء السر. منها ما قاله الإمام الشافعي:
«إذا المرء أفشى سره بلسانه .. ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه .. فصدر الذي يستودع السر أضيق»
هذه ليست دعوة لعدم الثقة بالآخرين، ولا إقصاء الأحبة وتسطيح الصداقة، لكنها دعوة لنتجنب القسوة على قلوبنا والتسبب بإيذاء أنفسنا .. التوازن في كل شيء مطلوب حتى في العلاقات الإنسانية.