ل سمعتم من قبل مصطلح "سوم بي سوري 숨비소리"؟ إنه الصوت الذي يشبه الصفير، والذي يصدر عن النسوة الغواصات في جزيرة جيجو، واللائي يعرفن باسم "هيه نيا 해녀"، عند خروجهن إلى سطح الماء للتنفس بعد فترة من الغوص. هؤلاء النسوة المشهورات بالشجاعة والصبر وقوة التحمل تستطيع الواحدة منهن البقاء داخل الماء لعدة دقائق دون تنفس، وكثيرات منهن يشعرن بالراحة داخل الماء أكثر من خارجها. وهؤلاء الغواصات لا يعتمدن خلال الغوص على أنابيب الأوكسجين وإنما على التنفس الطبيعي خلال وقت قصير يسمح لهن بجمع ما يحتجن إليه من مأكولات بحرية، وهو الغرض الرئيسي من عملية الغوص بالنسبة لهن، وهو ما تعلمنه عبر أعوام طويلة من الانسجام مع البحر والطبيعة.
وقد ظلت الحكومة الإقليمية لجزيرة جيجو تسعى منذ وقت طويل لتسجيل النساء الغواصات في الجزيرة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. وربما يعتقد البعض أن ظاهرة النساء الغواصات هي ظاهرة عالمية تمارس في الكثير من البلدان المطلة على البحار، ولكن الحقيقة هي أن الظاهرة مقتصرة تقريبا على بلدين فقط في العالم وهما كوريا واليابان. وبينما تُعرف النساء الغواصات الكوريات باسم "هيه نيا"، فإن النساء اليابانيات الغواصات يسميّن "آما"، وهن يمثلن أيضا جزءا فريدا من الثقافة اليابانية. وما يجب الإشار إليه هنا هو أن ثقافة النسوة الغواصات اليابانيات نبعت أصلا من جزيرة جيجو الكورية، كما أن عدد النسوة الغواصات في اليابان ظل في كل العصور أقل من عدد النسوة الغواصات في كوريا، وأيضا فهن لا يتمتعن بنفس المهارات والقدرات المتميزة للغواصات الكوريات. وبالإضافة إلى كل ذلك، تعتبر النظرة لعملية الغوص نفسها مختلفة اختلافا كبيرا بين "آما" و"هيه نيا". فالنساء الغواصات الكوريات يعتبرن البحر ملكا مشاعا للجميع ويحرصن على ألا يأخذن منه إلا بقدر حاجتهن، في حين أن أكثر الغواصات اليابانيات هن من العاملات في مؤسسات تجارية متخصصة في الغوص ويعملن وفق عقود وأسس محددة.
وتشير الكثير من السجلات التاريخية إلى أن ظاهرة النساء الغواصات كانت موجودة منذ عهد مملكة كوريو بين القرنين التاسع والثالث عشر. وقد ظل الغوص في جزيرة جيجو، كمهنة وكممارسة، مرتبطا بنساء الجزيرة أكثر من رجالها. وربما يكون السبب هو أن جزيرة جيجو ظلت معروفة على الدوام بأنها تضم أعدادا من النساء أكثر من الرجال، مما جعل من النساء هناك يقمن بأدوار محورية في كل شؤون الجزيرة وأنشطتها الاقتصادية والتجارية. ولذلك نجد أن النساء في جزيرة جيجو بالذات يتمتعن بوضع اجتماعي رفيع أكثر تميزا مقارنة ببقية النساء في كل المناطق الكورية الأخرى. ولكن من المؤسف أن ظاهرة النساء الغواصات في جيجو بدأت في التراجع المستمر، حيث لم تعد مهنة مغرية أو ممارسة جذابة لأكثر النساء في الجزيرة، وذلك لما فيها من خطورة، ولوجود البدائل الأخرى الأكثر سهولة والأكثر توفرا في هذا العصر. وأكثر الغواصات في جزيرة جيجو الآن هن ممن تعدين سن الستين، مع عدم ظهور أجيال شابة.