الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

«مدن النساء الآمنة» ... في وعي الرجال

  • 1/2
  • 2/2

القاهرة – أمينة خيري - " وكالة أخبار المرأة "

على رغم التشكيلة الكبيرة المتنوّعة والمتعددة في منغصات حياة النساء ومعكرات صفو البنات في مصر، يبقى الكابوس الأكبر والمعضلة الأعند هي التعرّض الدائم والمستمر للعنف، إن لم يكن بدنياً فلفظياً، وإن لم يكن هذا أو ذاك فنفسياً وفكرياً.
فكّرت هناء (34 سنة)، العاملة البسيطة، كثيراً قبل أن تطلق العنان لوصف شامل عن مفهومها لـ «مدينة آمنة للنساء». قالت: «الأكل والشرب مقدور عليهما، فأقل القليل يكفي. لكن اعتداء زوجي علي بالضرب وتعرّضي للمضايقات في «الرايحة والجاية» في الشارع من قبل شباب ورجال قليلي التربية، أمور تنغّص على حياتي. مدينتي الآمنة بلا ضرب وبلا مضايقات».
وعلى رغم تفاوت المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفكري، إلا أن مفهوم أمل (32 سنة) المحاسبة في أحد المصارف الأجنبية، عن المدينة الآمنة يكاد يكون متطابقاً و «مدينةَ» هناء. تقول: «هي مدينة تشعر فيها المرأة بالاحترام وليس المهانة لمجّرد أن جسدها يختلف عن جسد الرجل، فلا تجد فيها من يعطي نفسه حق التعليق ومدّ اليد وتوجيه عبارات الغزل أو الشتم لمجّرد كونها امرأة. هي مدينة لا تفكر فيها المرأة مرتين قبل أن تنزل إلى الشارع خوفاً من سخافات الذكور، التي تتراوح بين التحرّشات بدرجاتها، أو إطلاق الأحكام عليها، بدءاً بالتكفير لأنها لا ترتدي ما يعتقدون أنه الأمثل، مروراً بالتعليق، لأن مظهرها يعجبهم أو لا يعجبهم، وانتهاء بالتطاول عليها لإثبات رجولتهم المنتقصة. هذه هي مدينتي الآمنة».
المثير أن مدن الرجال الآمنة لا تتطرق إلى شعور النساء بالأمان وعدم الامتهان في شوارعها، فمفهومهم عن المدينة الآمنة هي تلك التي لا تُسرق فيها سيارتهم، أو لا تستوقفهم الشرطة للسؤال عن أوراق هويتهم، أو لا يتعرّضون فيها للسرقة... إلخ، وهو ربما يفسّر ما يقوله أحمد عن مفهومة للمدينة الآمنة، تلك المبادرة التي تبنتها الأمم المتحدة لبناء مدن آمنة للنساء.
يقول أحمد، الذي يسكن منطقة «عزبة بخيت» في حي منشأة ناصر الشعبي في قلب القاهرة: «في بداية انضمامي لمبادرة «مدن آمنة» لم أكن مقتنعاً بالفكرة، فلطالما آمنت بأن التحرّش هو خطأ الفتاة، بسبب طريقة ملبسها أو الماكياج الذي تضعه أو أسلوب سيرها. وأنا كنت أمعن في مضايقتهن».
وعلى رغم ضلوعه في معارك لفظية وجسدية عدة بسبب هذه التصرفات، إلا أن وقت فراغه كان مخصصاً لهذا النشاط الذي كان يمارسه خلال تسكّعه في الشارع أو جلوسه في المقهى، أو حتى أثناء إطلاله من شرفة بيته. أما اعتباره مسألة مضايقة الفتيات والسيدات في الشارع «مشلكة مجتمعية»، فلم تطرأ على باله يوماً، لأنها ببساطة لم تكن مشكلة في نظره، بل وسيلة لطيفة لتمضية وقت الفراغ، وتلقين الفتيات اللاتي يرتدين ملابس «غير لائقة» درساً.
المنظمات غير الحكومية الضالعة في تنفيذ المبادرة حشدت الشباب، من أمثال أحمد، في منطقة منشأة ناصر، وكانت البداية التعرّف ميدانياً إلى حجم المشكلة.
وكشفت دراسة أجراها في منشأة ناصر مركز البحوث الاجتماعية في الجامعة الأميركية في القاهرة، عن أن أكثر من 60 في المئة من النساء المتزوجات في المنطقة يتعرّضن للتحرّش مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، وأن 11 في المئة منهن يتعرضن للتحرّش في شكل أقل نسبياً، ما يعني أن أكثر من 71 في المئة من السيدات المتزوجات في المنطقة موضع الدراسة يتحرّش بهن.
وأجابت المعنيات بالأمر أن التحرّش بهن يتم عبر الغمز والصفير والتلفظ بتعليقات غير لائقة داخل المناطق التي يقطنَّها وخارجها. ولم تبلّغ غالبيتهن العظمى عن هذه الحوادث، لأنها «أمور لا تستحق العناء».
وحتى تكون مواجهة التحرّش أمراً يستحق العناء، وجّهت الأنشطة التدريبية نحو إجراء مناقشات ومقابلات جماعية، في الأساس إلى الأطفال، والشباب، والنساء، وكبار السن، والشيوخ، والقيادات المجتمعية، وذلك لتثقيفهم حول القضايا الحيوية التي تمس حياتهم اليومية، مثل التحرّش، وتربية الأطفال وإساءة معاملتهم، والانتهاك الجنسي، ما يعني أن الأمر برمته يتعلق بتغيير طريقة التفكير تجاه أمر ما، كي تتغير التصرفات تباعاً.
كما أظهرت الدراسة أن الذكور والإناث يُرجعون الأسباب الرئيسة لوجود ظاهرة التحرش إلى البطالة، وقلة الوعي الديني، والانحدار الأخلاقي. يلي ذلك شكل النساء والملابس التي يرتدينها، إضافة إلى طريقة سيرهن في الشارع.
وتلفت الباحثة في مركز البحوث الاجتماعية الدكتور ميراي عزيز إلى أن «النساء يعتقدن أنهن قد يكنّ هن أنفسهن السبب وراء تحرّش الرجال بهن، خصوصاً في الشارع».
ويعزو رجالٌ الأسباب إلى مشاهدة محتوى القنوات الفضائية، وغياب الشرطة المنوط بها التعامل مع هذه الحوادث، والصعوبات التي يواجهها الشباب الراغب في الزواج، مرجحين أن اللجان الشعبية قد تكون وسيلة مناسبة لمواجهة التحرّش، على أن ترتدي النساء الملابس المحتشمة، ويراعين طريقة سيرهن وحديثهن في الشارع.
تقول عزيز: «الأمر المثير للاهتمام هو النظرة إلى دور المرأة عند اقتراح تشكيل لجان في الأحياء لمواجهة مشكلة التحرّش، إذ أشار الجميع، رجالاً ونساء، إلى أن دور المرأة ثانوي، أو قد لا يكون لها أي دور على الإطلاق في هذه اللجان».
وتؤمن غالبية النساء بأنهن لا يجب عليهن إخبار أعضاء اللجان بحوادث التحرّش، إذ «إن المرأة لا يجب أن تخبر الغرباء» بأمر كهذا.
وتوضح عزيز أن «النساء أنفسهن يعتقدن أنه لن يكون لهن دور فاعل في هذه اللجان، حتى أن بعضهن يعتقدن أن مشاركة النساء في هذه اللجان أمر مخز»، بينما تشعر أخريات بأن أعضاء اللجان الشعبية لن يتقبّلوا فكرة توفير الحماية من قبل امرأة».
ومن أجل اتخاذ موقف إيجابي وفاعل لتغيير هذه الوصمات الاجتماعية، يتعاون مركز البحوث الاجتماعية مع المنظمات غير الحكومية المحلية لتثقيف أفراد المجتمع وقادته في ما يتعلّق بكيان المرأة.
وتشير عزيز إلى أن «كل منظمة غير حكومية تطرقت إلى موضوع محدد، من الحاجات العاطفية وارتباطها بالعنف إلى الاعتداء الجنسي على الأطفال».

الحياة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى