الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

حديث "الأربعين"

  • 1/2
  • 2/2

الدكتورة: علياء ابراهيم محمود - مصر - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

عندما تقف بعينيك على عتبة أية رواية، فمن عنوانها، إما أن تجذبك فلا تكاد تفارقها إلا مع كلمة النهاية، أو تشعر بملل فتطول فترة قراءتها، وقد تزهد في الاطلاع عليها، وربما لا تتذكر حتى عنوانها.
وفي كل الأحوال فجاذبية أي عمل روائي، يتوقف على عوامل كثيرة، منها ما يرتبط بالعمل، من حيث جاذبية الموضوع، وجماليات اللغة، وقدرة الكاتب على إثارة خيال القارئ والعزف على وتر تشويقه، ليلهث خلف السطور والكلمات، وعوامل أخرى ترتبط بالمتلقي للعمل الأدبي، ومدى توافق شخصيته وثقافته مع طبيعة الموضوع وأحداثه، فالرأي الأول والأخير يرجع إلى متلقي العمل الأدبي؛ وهو القارئ.
فقارئ الرواية له كامل الحرية، في أن  يستنتج من العمل ما شاء أن يستنتج، ويستقبل ما شاء من رسائل، سواء  تعمّد الكاتب إرسالها أو لم يتعمّد.
ومنذ أكثر من عام مضى اضطرتني ظروف صحية إلى ممارسة هوايتي المفضلة وهي القراءة  بصورة أكثر تكثيفاً، والصدفة وحدها هي أوقعت بين يديّ رواية الكاتبة التركية المثيرة للجدل "إليف شافاق"، والتي صدر لها  العديد من الروايات، وترجمت إلى أكثر من لغة، وربما أشهرها وأوسعها انتشاراً روايتها المترجمة للعربية ( قواعد العشق الأربعون ) والتي انتشرت العديد من فقراتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
فهي تعد من الروايات التي تندمج فيها روايتان، كل منهما تقع في مرحلة زمنية ومواقع جغرافية مختلفة، وكأن الكاتبة أرادت أن تبحر بالقارئ عبر الزمان والمكان. فإحدى الروايتين تقع في القرن الثالث عشر الميلادي حيث قصة لقاء أحد الدراويش وهو شمس الدين التبريزي بالخطيب الإسلامي  جلال الدين الرومي في رحلة امتدت من سمرقند أو بغداد إلى قونية التركية، والرواية الأخرى تقع أحداثها في القرن الحادي والعشرين في أحد الولايات الأمريكية بين سيدة يهودية ومتصوف رحالة  يدعى "عزيز" وهو كاتب رواية "الكفر الحلو" التي تضمنت قصة حياة جلال الدين الرومي. 
فالرواية تجذبك من سطورها الأولى من حيث الموضوع وجماليات التراكيب اللغوية واختلاف الأزمنة والأمكنة، الذي أوجد مساحات  من الإثارة والتشويق، مما يجعل القارئ يتنقل  بين شخصيات متنوعة وتفاصيل متباينة، فلا يتسرب إليه الملل، بالرغم من حجم الرواية الذي يصل إلى حوالي 500 صفحة،  وذلك لقدرة الكاتبة على أن تصنع من الأمكنة والأزمنة والشخصيات لوحة رائعة من الفسيفساء، فلا تكاد الأعين تخطئ تفاصيلها وألوانها وروعتها، بالرغم شدة صغر الأحجار التي تبدو كمنمنمات فائقة الدقة.
ولننحي جانباً النقد الذي تم توجيهه للرواية والروائية، لإن هذا النقد يخص أصحاب الرؤى، ممن يعملون في مجال النقد الأدبي، ولكنني أرغب في أن أتطرق إلى البعد الذي لفت نظري، كمتخصصة في مجال التنمية الذاتية، أركز على قدرة الإنسان على التغيير، طالما تولدت في نفسه  الرغبة القوية لهذه الخطوة، فحياة الإنسان هي اختياره،  "وقواعد العشق الأربعون"  طرحت قدرة الإنسان على التغيير متجسدة في كافة  شخصيات الرواية وعبر مرحلتين زمنيتين يفصل بينهما حوالي ثمانية قرون، فها هو جلال الدين الرومي يتغير من خطيب إسلامي إلى عاشق شاعر يدعو إلى العشق الإلــهي..
أما فتاة الليل التي رسمت لها الكاتبة صورة يكاد القارئ أن يتلمس تفاصيلها ويرى ملامحها ويشعر  بمدى امتهان الكرامة الإنسانية والدونية التي انغمست  فيها، وفي لحظة فارقة في حياتها، لحظة  حب لذاتها تتحول من النقيض إلى النقيض، أما الزوجة اليهودية التي تقطن إحدى الولايات الأمريكية والتي تعاني من خيانة زوجها،  وتشكو في صمت  من الملل والرتابة، ومن خلال قصة حب عبر الرسائل الإلكترونية مع كاتب رواية "الكفر الحلو" الذي بدوره تحول من مدمن مخدرات بعد وفاة زوجته إلى متصوف رحالة تكاد ملامح شخصيته أن تقترب من شمس الدين التبريزي. قصة الحب التي تضمنتها الرواية وكأنها سيمفونية متجانسة النغمات، هي التي وجهت بوصلة حياتها في اتجاه لم يخطر ببالها يوما ما.
 إن الرواية تبث في نفس القارئ أملاً وحافزاً في قدرة الإنسان على التغيير،  مهما بلغ من العمر، ومهما ارتكب من أخطاء، حتى إذا وصل به الأمر إلى حد معرفة أن أيامه في الحياة أصبحت معدودة، مثل "عزيز" أحد شخوص الرواية،  فدائماً هناك أمل، أن تكون أفضل مما أنت عليه، ولكن التغيير الذي طرحته إيلاف شافاق في "قواعدها الأربعون للعشق"  كان محركه الأساسي هو الحب، فنسجت الكاتبة  من مشاعر الحب بكل أشكاله ومراتبه وأنواعه، قطعة نسيج  رائعة من الدانتيل، التي بالرغم من تشابكها وتداخل خيوطها، إلا أنها تكشف برقي عن تفاصيل من يتوشح بها ، فالحب في قواعد إيلاف شافاق الأربعون أوسع من دائرة الحب بين الرجل والمرأة، فحب الإنسان لذاته يدفعه إلى  التمرد على الدونية، التي لحقت بها، وحب الصديق لصديقه يجعله أصدق مرآة كل منهما للآخر، وحب الحياة، وحب الله الذي طرحته الكاتبة، ولكن من خلال المذهب الصوفي الذي يبدو محوراً أساسياً في الرواية والذي له مريدنه والمتخصصون أيضا في تحليله ودراسته والدفاع عنه أو مهاجمته.
 عزيزي القارئ.. قد توافق أو تعترض على موضوع الرواية، أو تفاصيلها أو شخوصها، وأيضا قد تختلف أو تتفق مع نوع التغييرات  التي طرأت على الشخوص، حسب قناعاتك ومبادئك، ولكنك لن تختلف مع مبدأ أن الحب  سيظل صاحب التأثير الأكبر علينا منذ بدء الخليقة، وحتى نلقى الله، الحب الصادق  والتسامح مع الذات ومع الآخرين- مهما بلغت أخطاؤنا وأخطاؤهم- هي القوى المحركة لأي  تغيير.
 قد نختلف في الأجناس واللغات والمذاهب والأديان والأعمار- فالاختلاف سنة كونية - ولكن يبقى الحب هو إكسير الحياة ومفتاح بوابة الأمل والتفاؤل، فالحب وتر يعزف عليه كل من ينتمون إلى بني البشر، أرقى وأروع النغمات.
 ويبقى التساؤل الذي يتربع على عرش تساؤلاتي دائما، هل هناك أمل في عودة هذا الحب القادر على إحداث تغيّرات إيجابية في الأطراف المحبة؟
الحب الذي ما أحوجنا جميعا إليه،  الحب الذي صنع المعجزات في رواية إيلاف شافاق... أم أن الكاتبة أرادت أن تهرب ونهرب معها من واقعنا، الذي ضل فيه الحب طريقه إلى عالم آخر افترضت فيه (أربعون قاعدة للعشق) بدوائره المتباينة..
وللحديث بقية

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى