لم تكن طفولتها كطفولة من في سنها، بل كانت طفولة تميل كثيراً الى النضج والتعقل، عطاف يوسف من أشهر مناضلات فلسطين، ولدت عام 1957 في قرية الجانية غربي رام الله، بدأت رحلتها الدراسية في مدرسة القرية التي كانت في مسجد قديم، وكان الصف الواحد يحتوي طالباتٍ من أعمارٍ مختلفة، ما كان يسبب لها الكثير من المشاكل والضغوط لكبر حجم زميلاتها اللواتي كنا يرهبنها إن تفوقت عليهن.
وبعد أن أنهت مرحلتها الأساسية لم يكن لدى والدها خيار سوا إرسالها لإكمال تعليمها في مدينة رام الله والسكن هناك حيث لا مجال للعودة كل يوم، هنا بدأت عطاف بالإعتماد على نفسها كلياً وبدأت شخصيتها تتبلور وتتجه باتجاه أخر، وأكملت تعليمها في معهد دار المعلمات وحصلت على شهادة دبلوم باللغة العربية.
كان توظيف المعلمات في تلك الفترة في أماكن بعيدة، لذا قررت العودة للتدريس في قريتها وعملت فيها لمدة عامين قبل أن تعتقلها قوات الاحتلال، حيث كانت هي المعلمة الوحيدة في المدرسة، انتسبت في بداية المرحلة الثانوية لحركة فتح وقبل انهاءها انقطعت وسيلة الاتصال بهم، في المعهد انتمت للتنظيم الشيوعي وبقيت في الحزب سنتين، ولكن وبسبب ايمانها الشديد بالعمل المسلح قررت ترك التنظيم لأنه لم يرض حماسها، فعادت لحركة فتح مرة أخرى.
بعد ذلك بشهرين قامت بعمليتها الشهيرة في شارع يافا بالقدس المحتلة في محطة باصات خاصة بالجنود، كان من المفروض ان تضع القنبلة في سلة مهملات، لكن ما إن وصلت المحطة حتى فؤجئت بضباط وجنود الاحتلال يشهرون سلاحهم في وجهها، فتركوها في الساحة أمام جميع الناس حيث لقيت منهم ما لم تطق تحمله فقد شدو شعرها وركلوها واسمعوها الكثير من الكلام السيء في حقها، ثم أخذوها للتحقيق ولم تكن قادرة على البوح بأي كلمة.
لم يتركوا نوعاً من أنواع التعذيب الجسدي والنفسي إلا ومارسوه ضدها، فقد هددوها بهدم منزل أهلها واحضار أمها وأختها، وحتى بأنهم سيغتصبونها إن بقيت صامتة، ولشدة ما لقيت قررت أن تلفق قصةً مقنعة كي تبعدهم عن الحقيقة وتمسكت به ، لكنهم ما لبثوا وأن عادوا إليها مستنكرين، وفي اليوم التالي جاء الحاكم العسكري وطلب منها مفاتيح المدرسة وبعدها بساعتين جمعوا الكثير من الكراتين ووضوعها أمامها، وقال لها كل هذه الأسلحة في بيتك والمدرسة!.
ولم تكن تحوي هذه الكراتين سوى المواد المدرسية والمختبرية وكل أغراض بيتها ومن بينهم مفكرة تحتوي اسماء فتاتين حاولاتا الهرب إلى الأردن فقاموا باعتقالهما وأخذوا عطاف إلى نابلس، وهنا بدأوا مرحلة جديدة من التحقيق مع زميلاتها بالضغط النفسي عليهن وأقناعهن بأن عطاف قد أوشت بهن، لكنهن تمسكن بحق سماع ذلك منها فما كان من المحقق إلا أن يخرج ثم يعود، قائلا: عطاف لا تود الحديث، عند عودتها إلى "المسكوبية" وجدت عدد المعتقلات قد أصبح 13 رغم أنها لم تكن تعرف منهن إلا فتاتين. وبعد شهر اعتقلوا قائد العملية وحينها أعادوا التحقيق معها لتكون مدة التحقيق 4 شهور.
السجن أسوأ عقاب تتعرض له المرأة
المسكوبية مكان لا يليق بالإنسان ولا يرقى حتى لوضع الحيوانات فيه، غرفة كبيرة سقفها عالٍ ونافذتها صغيرة تحجب الشمس، وقد زودت أيضاً بما يغربل أشعة الشمس، لم تكن تدرك عطاف تأثير غياب الشمس والضوء على جسدها ومن معها ولكن وعند وصولها سجن الرملة شدتها نظرات الناس أليهم وكأنهم أشباح، فنبهتها صديقتها للون بشرتهن الذي تحول إلى أصفر، ولم يسلم موضع شبر من أجسامهن من لون الموت. وفقدت خلال هذه الفترة من وزنها ما يقارب من 12 كيلو بسبب كمية الأكل القليلة وعدم نظافته.
محكمة عسكرية تتحول الى محكمة مدنية
لم تكن القضية سوى قضية عسكرية لا يليق بها الا محكمة عسكرية تضيف لهم المزيد من الشرف والرفعة، لكن في دولة الاحتلال الاسرائيلي كل الطرق وكل الحلول متاحة إلا القانون فهو مباح، كانت إسرائيل في تلك الفترة موقعة على اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية لا تلزمها بتسليم المعتقلين السياسيين بل المعتقلين المدنيين، في هذه الأثناء كان الشهيد زياد أبو عين قد نجح في الخروج الى الولايات المتحدة، ما دفع اسرائيل الى تحويل القضية من عسكرية الى مدنية لتطالب بأحقيتها في محاكمته.
في المحكمة كانت تهتف وأصدقاءها ضد المحكمة معلنيين رفضها بكل الأشكال. فأنزلوهم وحاكموهم غيابياً، فجاء الجندي إليهم، وقال لها: حُكم عليكِ بـ 20 سنة، وهم مؤبدين وعشرين سنة، فقد كانت المحاكمة في ذلك الوقت لا تتم إلا على إعترافات المتهمين ولا يؤخذ باعترافات الآخرين، ومن الجدير ذكره أن المحاكمة أخبرت عطاف إن بإمكانها أن تحصل على سجن لمدة سبع سنوات فقط إن هي فصلت قضيتها عن قضاياهم، لكنها رفضت ذلك رفضا قاطعا، بسبب شعورها الوطني اليقظ واحساسها بالذنب تجاه زميلاتها.
حياة السجن مفيدة قد تجعلك تنسى أنه سجن
"السجن قاسي وهو أبشع عقوبة ممكن أن تتعرض لها فتاة، بالنسبة لي الاعدام أسهل من السجن، فأنت في السجن محصور داخل السور ولا تملك حق الخروج منه إلا للمشفى و إن خرجت فستخرج بسيارة سوداء زجاجها أسود ويحرسه شبك حديدي"، لكن الذكاء الموجود لدى الحركة الفلسطينية الأسيرة تخطى كل هذه الحواجز لدرجة انها لم تعد تشعر بوجودها في سجن فقاموا بمساعدة بعضهم البعض وبتعليم كل من لديها محكومية قصيرة لتخرج متقنة للغة العربية والإنجليزية والعبرية وغيرها الكثير حيث، قالت: بعد شهرين كنت متعلمة عبري قراءة وكتابة ومحادثة بشكل جيد، لقد كان أمامنا خيارين في السجن، إما ألا نعمل ونأخذ ساعة استراحة في الهواء أو أن نعمل ونحصل على أربع ساعات من الاستراحة، ولاننا كنا بحاجةٍ ماسةٍ لأن نجتمع ونتدارس ونساعد بعضنا ونناقش الكثير من الكتب -فقد عادت عطاف لتنظيم الشيوعي في السجن-، اخترنا العمل مع مراعاة خطوطٍ حمراء لا نعمل بها، فنحن حتماً لن نعمل سوى في الحديقة أو في خياطةِ ملابس للسجينات وإعداد الطعام لهن، أما إن كان الامر يتعلق بالسجانات أو الجنود فقد كنا نرفض رفضاَ قاطعاَ، كنا نأخذ مبلغا لا يذكر لقاء عملنا ولم يعطونا اياه بشكلٍ مباشر بل كانوا يسمحون لنا شراء بعض السجائر والشامبو وغيرها..
أسوأ لحظة في السجن
"عام 1982 بدأت حرب لبنان وأعلنا الإضراب داخل السجون، لكن السجان لم يجد حلاً لإنهاء الإضراب سوى بمنع الصحف وأجهزة الراديو والتلفزيون وزيارات الأهل ومصادرة الكتب، فقمنا بطرق الأبواب مستنكرين ما يحدث فقاموا بإحضار وحدة مختصة بالقمع، فقام برشنا بالغاز المسيل الخانق، فهذا الغاز يتفاعل مع الماء في حال لمسه لأي شيء مسبباً حرقاً كبيراً، أنا شخصياً حُرق رأسي من الخلف وحلقي، بعد هذه الحادثة بأربعة عشر يوماً جاء وفد من الكنيست لزيارة السجن، فمل يستطيع دخول الغرفة، فقامت السجانات بإخراج المعتقلات الإسرائيليات ونقلهن لغرفة أخرى وهن يضعن الكمامات.وقد استمر هذا الإضراب لمدة 4 شهور، وبعد ذلك بشهرين بدأت الإدارة بالتراجع، فسمحت بزيارات الأهل وأعادت المكتبة، فتوقف الإضراب".
صفقة تبادل الأسرى
"عام 1983 تم الإفراج عنا دون أن نعلم أي شيء، فقد كانت كل وسائل الأخبار ممنوعة عنا، جاء أحد الجنود يطلب مني أن أخذ أغراضي بسرعة، لحظتها كنت أظن أنه سيأخذني إلى سجنٍ آخر ثم أعود هنا لذا قررت أن لا أخذ أي شيء معي، كانت الساعة تقارب الـ5 مساءً تفاجئنا بأنهم يعيدون لنا أغراضنا من الأمانات، ثم وضعونا في سيارة وقد قيدوا كل يد وقدم معا وبدأت السيارة تمشي بنا من الساعة الـ5 مساءً حتى الساعة الـ3 من فجر اليوم التالي، ومن الملفت أنه حين وصولنا مطار بن غورين اكتشفنا أن المسافة بين السجن والمطار ربع ساعة فقط!!".
تكمل عطاف روايتها "دخلونا خيمة فيها الصليب الأحمر، تفاجئنا حينها بوجود صفقة لتبادل الأسرى وأننا من ضمن قائمة المفرج عنهم بشرط الإبعاد، لم يكن لدي أية معلومة عن هذه الصفقة ولم يستشرنا أحد بها وهذا ما زاد من حيرتنا، لكننا لم نقبل أن نمضي على ورقة خروجنا، لكن كان هناك الكثير من الأسرى ينتظرون هذه اللحظة فقررنا الموافقة عليها لكن شعور بداخلنا كان يردد: قد قتلت فرحتنا، كان من الممكن في السجن أن نرى أهلنا لكن في بلادٍ بعيدة سيكون من الصعب عليهم ذلك".
الحياة في المنفى
حينها ذهبنا إلى الجزائر، وفي اليوم التالي زارنا الرئيس الجزائري وكانت معاملته جداً طيبة لنا، بعدها بدأت مشكلة الى أين سنذهب؟.
لم أكن في البداية راغبةً في الأردن، لكني أشفقت على وضع أهلي وقررت الذهاب هناك فهي الأقرب الى وطني. لكن الأردن رفضتني، وبعد 3 شهور وافقت الأردن على احتضاني وأكملت مسيرتي مع الجبهة الديمقراطية، وعملت مع المنظمة وتزوجت من رجلٍ مناضل بقي في سجون الإحتلال لمدة 17 عاما وقد كان مصابا بالسرطان.
لم تكن الحياة في الأردن بهذه البساطة، فقد كنت في كل مرة أسافرُ فيه أحتاج الى تنسيق من المنظمة وتحتجزني مخابرات المطار ساعاتٍ طويلة في الذهاب والإياب، وبعدها تخطرني بضرورة مراجعة المخابرات حين عودتي!
لم يكن لدينا هناك أي وسيلة للتواصل أو حتى متابعة الأخبار التي تحدث هنا، ففي حينها لم تكن الصحف الفلسطينية تصل الأردن ولم يكن الانترنت موجود وكان التلفاز لا يعرض سوى قناة الأردن التي تعرض الخبر بشكل سريع أو القناة الإسرائيلية التي لا أثق بأخبارها لأني أؤمن أن خلفها رسالةً ما، فكانت الطريقة الوحيدة لمتابعة الأخبار هي من الأشخاص الذين يزورون الأردن فكنا شبه منقطعين عن الوطن.
توفي زوجي عام 1993 كان لدينا ولدان قضينا معظم حياتنا في المستشفيات. وبعد أتفاقية أوسلو قررت العودة الى الوطن فقمت بتقديم طلب تصريح زيارة وأحضرت أولادي وأصدرت رقم وطني وأخذت الهوية بعد 11 عاماً في المنفى. كانت خلالها نظرة الناس مليئة بالاحترام والتقدير، بل لا زلت أرى احترام من الجيل الجديد هذا التقدير الذي يريحني. نحن نعلم يقيناً انه ليس من الضروري أن نحرر نحن فلسطين ولكن يكفينا شرف وضع حجر في هذا الصرح العظيم، لكن هذا لم يمنع وجود عقول متحجرة ولكن لم أكن مضطرة للتعامل معهم، بالتأكيد لم يكن عملنا بنية المكافئة أو الأهتمام من أحد.
العودة للوطن
كان إلتفاف الناس حول أهلي ملفتاً ومعزياً لهم، فبعد أن هدم الأحتلال منزلهم قام أهالي قريتنا والقرى المجاورة بمساعدتهم في بناء البيت، فمنهم من تبرع بالمواد ومنهم من قام بالبناء بشكل مجاني. هكذا أعادوا أهلي إعمار البيت بمبلغ بسيط وقد ساعدتهم جمعية الأسرى والشهداء فيه. من تجربتي الشخصية مجتمعنا يحترم المرأة المقاومة ويتغنى بها، وأنا ضد فصل المرأة والرجل في المقاومة فهم شريكان في الوطن والمعاناة.
المرأة الفلسطينية، أول من شاركت في التظاهرات ضد أول مستعمرة أقيمت في فلسطين عام 1883 ومنذ ذلك التاريخ الى اليوم وهي لا تزال تقاوم، لكن للمرأة خصوصيتها فهي تتأثر أكثر من الرجل فهي من تنجب على الحواجز، لكن مجتمعنا قاس وظالم وأنا أؤمن بضرورة نضال المرأة من أجل حقوقها المجتمعية، في السابق كانت المرأة تناضل سياسيا ولم تناضل اجتماعيا، أما الآن فهي تناضل اجتماعيا ولا تناضل سياسيا، يجب أن تناضل سياسيا واجتماعيا لأننا لن نستطيع تحرير وطن وحريتنا مسلوبة.
وضع المرأة السياسي ليس في المستوى المطلوب، نحن من سنوات طويلة لدينا لجنة تنفيذية لأول مرة من سنتين تصبح المرأة في اللجنة التنفيذية، ومن ناحية الوزيرات فعدد الوزيرات لا يتعدى الخمسة وتتراوح أعمالهن في وزارات نمطية بين التعليم العالي والمرأة والسياحة وغيرها، لكنها لم تكن يوماً وزيرة للمالية أو وزيرة للخارجية مثلاً. حزبيا موجودة لكن بشكل ضعيف فهي لا تحتل منصب الأمينة العامة إلا في حزب فدا. وفي الإدارة العامة تحتاج أن تبحث كثيراً بين المدراء العامين لتجد مديرة عامة. واقع المرأة ليس بحجم تضحياتها ومشاركتها.
الوضع الفلسطيني الحالي
لا أعلم حقاً بما أصف الوضع الفلسطيني الحالي، لكنه مرتبك كثيرا فأنا أحاول جاهدةً فهم ما يحصل، كنا نظن أن الربيع العربي سينقذنا لكنه تحول الى صقيع أعادنا للخلف سنين عديدة. لكن الضغط الدولي والعربي والانقسام في الساحة الفلسطينية جميعها أسباب تعيق أي تقدم.
كنا نعتقد أننا سنغير العالم والفكر الماركسي كان يدفعنا لنسيان القومية، فكنا في السبعينيات نتظاهر تضامناً مع نساء تشيلي. كنا نرى أنفسنا في أي ثورة في العالم، لكن هذه النظرة تغيرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكلي أمل أن تعوض روسيا والصين ما فات.
السلاح ضروري، لكن استخدامه بالوقت المناسب وكيفية استخدامه، هذان أمران يحتاجان لذكاء، في هذه المرحلة ليس من الضروري استخدامه في ظل تفوق الاسرائيليين، المقاومة لا تنحصر بالسلاح، فهي متعددة الأشكال، فوجودنا في هذه البلد مقاومة حتى المقاومة السلبية تربية أولادنا وتعليمهم وزرع حب الوطن فيهم، وأنا لا أرفض أي شكل من أشكال المقاومة إلا تفجير المدارس وآماكن تواجد المدنيين، لأن عدوك يكون قد استطاع تحويلك لنسخة منه، حين تؤمن بما يؤمن وتقتل من يقتل.