تعرّت امرأة بهيّة الجمال أمام المرآة. جالت عيناها في تضاريس جسدها المنحوت، وكأنّه نُحِت بإزميل نحّاتٍ إغريقيّ، لم يغادر تفصيلاً دقيقاً إلا جسّده: صقلاً، وبروزاً، وغوراً، وظلالاً.
قالت امرأة المرآة لامرأة الجسد: مالك مبهورة بجسدك؟ هل تعشقينه كما عشق (نرسيس) صورته على صفحة ماء النهر؟ أخشى عليك الغرق في بحر جسدك، كما غرق نرسيس في قاع النهر؛ فطفا زهرةَ نرجس!
قالت امرأة الجسد لامرأة المرآة: جسدي هويّتي. شبكة اشتهاء يَعْلق في أحابيلها الرجال: ملوكاً وأباطرةً، قياصرةً وفلاسفةً، شعراء مُجّاناً، وكُهّانَ معابدٍ نُسّاكاً.
قالت المرآة: وأين فتنة روحك؟ أين جاذبية شخصيتك؟ أين سحر بيانك، وعذوبة لسانك؟
المرأة الجسد: ما عاد ذلك يغري أحداً. الجسد هو المقدَّس. وهو مقياس الجمال عند الرجال... والنساء!
ألا ترين التهافت علىى نحت الجسد في معابد التجميل الاصطناعي؟ نحشو نهودنا بالسيليكون الساحر لتتربّع على عرش الصدر الأعظم! أو نرفع ترهّلاتها ونُكوّر تهدّلاتها، فتَـنْهدُ شامخةً، مثيرةً، متحدِّيةً، مشتهاة. ننفخ شفاهنا وخدودنا بالبوتكس المغرور، وننحت أردافنا وأعجازنا وأفخاذنا... لنصبح كالإلهة أفروديت. نشد الجباه. نقتلع شعرات الجفون، ونزرع بالليزر ما يفتن العيون. نلوّن عيوننا بألوان قوس قزح؛ فتسخر من تغزُّل الشعراء بالعين الحوراء. نُجمّل ما يخفى من أعضائنا الأنثوية... فيركع عند جمرها كلّ الرجال!
في عصرنا لا أحد يشتهي امرأة كما خلقها الله. المرأة المنحوتة في معابد التجميل هي المرغوبة المشتهاة.
المرآة: إنهم يتاجرون بجسدك: الجرّاحون، وأرباب الصناعات النسائية، وخبراء التغذية، ومخترعو أدوات التجميل، والمُلحِّنون، ومُصمِّمو الأزياء، وأباطرة الفن السابع... جسدك ليس جسداً بيولوجياً وفيزيزلوجياً فقط. إنه عالم أخلاق، وقيم، وعضو في جسد المجتمع. عودي إلى نفسك.
المرأة الجسد: نفسي؟ جسدي هو نفسي. أنا جسد إذاً...ً أنا موجودة! هذه فلسفة الجسد اليوم. كفاك رجعيّة وتخلُّفاً وتمسُّكاً بفلسفة المثالية الأفلاطونية! الجسد صار معبداً. له طقوسه المقدَّسة، وكُهّانه، وقرابينه. دعي أفلاطون. أنا مع الرجال من أتباع الفيلسوف أبيقور، والراهب راسبوتين، والشعراء امرئ القيس، وطرفة بن العبد، وأبي نواس.
المرآة: ستبقين هيكلاً بلا روح. دمية للمتعة والاشتهاء. سلعة لتجارة الجسد.لا حب في عالم الدُّمى والسلع. جسدك لعنتك. أنت ملعونة بجسدك.
المرأة الجسد: وما ذنبي إذا خُلِق جسدي لعنةً عليّ؟ لعنة جسدي أخرجتني مع الرجل- آدم من جنة الخلود. لماذا لا يكون جسد الرجل لعنة عليه؟ جسدي معبد اشتهاء. الرجل يسمّي اشتهاء جسدي... حبّاً ! كل عضو من جسدي موضوع متعة: نهد أمومتي. عيناي. خداّي. شعري. أناملي. ساقاي. خصري... قوامي كله، كياني كله جسد اشتهاء. الشعراء عبر العصور، والرسّامون، والنحّاتون، والمغنوّن، والزعماء... كلهم مجّدوا جسدي باسم الحبّ والجمال... كانوا خادعين، ومخادعين... ومخدوعين!
امرأة المرآة: وهناك من مجّد فيك العفّة والوفاء والقيم النبيلة...
المرأة الجسد: كانوا يُخفون رغباتهم الحسّية خلف قناع لغتهم وأخيلتهم. كلُّهم يعشقونني جسداً فقط. ألا ترين أن جسدي لو تشوّه لما نظر إليّ أحد
امرأة المرآة:...؟!
المرأة الجسد: لماذا لا تجيبين؟ لماذا اختفت صورتك؟ منطقي هزمك أيتها المهزومة.
تأمّلتْ في متاهات المرآة لحظات، ثم بعصبية هستيرية حطّمت المرآة بشمعدان برونزي... على هيئة جسد امرأة عارية!