تمثل المرأة القطرية نسبة تقترب من نصف أعداد المسجلين في الجداول الانتخابية والناخبين أيضاً في انتخابات المجلس البلدي المركزي السابقة، ورغم هذا تفشل المرأة ذاتها في تحقيق نتائج تتناسب مع تواجدها في العملية الانتخابية برمتها. وعلى مدار دوراته الأربع الماضية لم تكن تجربة المرأة كمرشحة للمجلس البلدي مُرضية، ففي نسخته الأولى فشلت المرشحات الـ6 اللاتي نافسن على جزء من مقاعده في الحصول على أي منها، فيما استطاعت مرشحة واحدة في الدورات التالية الاحتفاظ بمقعد واحد «يتيم» حتى مع ترشح 4 سيدات في دورته الأخيرة، فهل ستشهد الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في شهر مايو القادم تغيراً في تلك النتائج؟ خاصة إذا كان عدد الراغبات في الترشيح هذه المرة أكبر أو مساوٍ لمرشحات الدورة الماضية -على أقل التقديرات، وهل تُخلف الناخبات الظنون ويمنحن أصواتهن للمرأة؟ وهل سنشهد تغييراً في تلك المعادلة التي يراها كثير من المراقبين غير مناسبة لمكانة المرأة القطرية وتواجدها في الحياة الاجتماعية؟
نعود سنوات إلى الوراء لنقرأ في الورقة البحثية «المشاركة السياسية للمرأة في دول مجلس التعاون - الواقع والاستشراف المستقبلي» التي قدمتها الأستاذة الدكتور معصومة المبارك الأستاذة بجامعة الكويت وعللت فيها أسباب فشل المرأة القطرية في الفوز بمقاعد المجلس البلدي المركزي، والتي أرجعتها إلى «الموروث الاجتماعي، والنظرة المجتمعية للمرأة، ونظرة المرأة للمرأة»، أكدت فيها أن المرأة القطرية «كسبت حقيقة أساسية وهي أن لها دور مساوٍ لدور الرجل القطري في عملية التنمية السياسية، وأن مشاركتها السياسية أصبحت حقيقة في مجتمع محافظ يمر بهذه التجربة للمرة الأولى ومن الطبيعي أن تكون هناك أصوات مؤيدة وأخرى معارضة».
وتابعت: «إن المرأة القطرية دخلت التجربة لأول مرة كناخبة ومرشحة في 8 مارس 1998، وبما يتفق مع نصوص قانون المجلس البلدي عندما أقدمت 6 سيدات قطريات على ترشيح أنفسهن لانتخابات المجلس البلدي التي أجريت في 8 مارس 1998 وكانت نسبة مشاركة المرأة القطرية في الانتخابات (%45) لا تقل عن نسبة مشاركة الرجل، ولكن تلك المشاركة لم تؤدِ إلى فوز أي من المرشحات، بل إن إحداهن رغم كفاءتها العلمية وسيرتها الذاتية الغنية بالمشاركة في الحياة العامة إلا أنها لم تحصل سوى على 280 صوتاً مما يدل على تدني الوعي العام بأهمية دور المرأة في صنع القرار، كما يشير إلى أن المرأة القطرية كناخبة لم تساند القطرية المرشحة سوى بـ (30) صوتاً، ولكن أياً كانت أسباب فشل المرأة القطرية في الفوز بمقاعد في المجلس البلدي والتي تعود بدرجة كبيرة إلى الموروث الاجتماعي والنظرة المجتمعية للمرأة ونظرة المرأة للمرأة، إلا أن الأهمية تكمن في أن المرأة القطرية كسبت حقيقة أساسية وهي أن لها دوراً مساوياً لدور الرجل القطري في عملية التنمية السياسية وأن مشاركتها السياسية أصبحت حقيقة».
وأشارت المبارك إلى قانون المجلس البلدي الذي أوضح إلى أن اختيار أعضائه يكون بالانتخاب العام، الحر، السري، المباشر، وأن جميع المواطنين ذكوراً وإناثاً يحظون بالمساواة في حق الترشيح والانتخاب، منوهة إلى إجراء تلك الانتخابات في 8 مارس 1999 (يوم المرأة العالمي)، موضحة «أن هذا الاختيار له مغزاه الواضح في التأكيد على أهمية دور المرأة والنقلة النوعية التي شهدها المجتمع القطري في نظرة القيادة السياسية للمرأة».
اختصاص رجالي
وقالت في ورقتها حول تجربة إحدى المرشحات القطريات -في الدورة الأولى التي بنيت عليها هذه الورقة: «الحقيقة التي يجب إدراكها هي أن فرص فوز المرأة المرشحة ستتأثر بشكل أكبر بالموروثات الاجتماعية التي ليست دائماً لصالح المرأة خاصة ما يتعلق بدور المرأة في العمل السياسي الذي ينظر له في الغالب الأعم من المجتمعات العربية كاختصاص رجالي وتعكس نتائج الانتخابات ذلك حتى في الدول الأكثر تقدماً (نسبة النائبات إلى النواب لا تتجاوز %9 في معظم برلمانات العالم) والنظرة السلبية للمرأة المرشحة ليست حكراً على الرجال الناخبين بل هي بشكل أكبر بين النساء الناخبات ويرجع ذلك لأسباب نفسية واجتماعية. والتجربة في المجتمع القطري تثبت ذلك على لسان إحدى المرشحات للمجلس البلدي وهي المشهود لها بالكفاءة والعلم والقدرة والرغبة في الخدمة العامة ففي انتخابات مارس 2000 حصلت تلك المرشحة على 280 صوتاً منها 250 من الرجال و30 صوتاً فقط من النساء مما يدل بوضوح على امتناع المرأة القطرية عن التصويت لصالح المرأة ويرجع السبب في ذلك لعدة أسباب منها: حداثة التجربة في المجتمع القطري، تدني مستوى الوعي بأهمية دور المرأة في صنع القرار، عدم اقتناع المرأة بالمرأة في المجال السياسي، النظر للعمل السياسي بأنه مجال للرجال فقط».
دراسة أخرى حول «المشاركة السياسية للمرأة في الوطن العربي» عرضت تجربتي قطر والبحرين كأمثلة واضحة على «مشاركة المرأة المتدنية» ودللت على ذلك بانتخابات 1998 التي تقدم فيها 6 نساء للترشح في انتخابات المجلس البلدي وعدم فوز أي منهن رغم مشاركة المرأة القطرية في الانتخابات بنسبة %45 «بمعنى أن المرأة القطرية لم تنتخب أختها القطرية المرشحة» حسب الدراسة.
أسئلة حائرة
وبرغم نجاح المرأة في اقتناص مقعد واحد على مدار الدورات الثلاث التالية للتجربة الأولى الصادمة والمحبطة، إلا أنه لا يلبي الطموحات، فهل ستنجح المرأة في زيادة مقاعدها؟ وهل ستحجم الناخبة عن اختيار بنت جنسها مجدداً؟ وهل ما زالت المعوقات التي تحدثت عنها دراسات وأوراق عمل مر عليها قرابة العقدين قائمة؟ أسئلة طرحناها على «نون النسوة»، واستطلعت «العرب» آراء عدد من السيدات والفتيات ممن لهن حق الانتخاب في موقفهن من ترشح المرأة، ومَن ستفضل ولمِن ستعطي صوتها إذا كانت بدائرتها منافسة بين «مرشح» و «مرشحة»؟ وبالطبع تفاوتت الآراء بل وتطرفت أحياناً على الجانبين المؤيد والمعارض، فهناك من أكدت أنها ستعطي صوتها للمرأة في كل الأحوال، وهناك من رفضت فكرة ترشحها أصلا، وهناك من قالت إن الاختيار سيكون للأفضل وليس لكون المرشح رجلا أو امرأة.
هيمنة عائلية
ترى الطالبة الجامعية عائشة البدر أن المجتمع هو المسؤول عن إحجام المرأة عن التصويت لمثيلتها في انتخابات المجلس البلدي، وأرجعت ذلك إلى أسباب عدة من أبرزها هيمنة رأي العائلة أو الرجل على القرار غالباً، والذي يعززه عدم تحمس المرأة الناخبة إلى أفكار المرشحة أو شخصيتها، «وهذا لمسته بنفسي خلال الدورة الماضية حيث وجدت ناخبات في عائلتي لم يصوتن للمرشحة بالدائرة لعدم إقناعهن بها وبقدرتها على العمل وخدمة الدائرة مثل المرشح الرجل الذي رشحه الأزواج أو أعلنوا تأييدهم له، وبالتالي اختارته السيدات دون إجبار ولا فرض رأي واضح من قبل الرجال».
قبول اضطراري
وترى طالبة أخرى تدرس إدارة الأعمال، فضلت عدم ذكر اسمها، أن المجتمع رغم القبول الذي يبديه لتواجد المرأة فيه وتأييده لتبوؤها العديد من المناصب، إلا أنه يفعل هذا مضطراً، عندما لا يكون له في الأمر يد، لكن عندما تتاح له الفرصة ليكون هو صانع القرار لا يفضل المرأة ولا يختارها غالباً، وهذا لا ينطبق على الرجال فقط لكن المرأة أيضاً تفعل الأمر ذاته فهي لا تثق بالقدر الكافي في بنت جنسها وقدرتها على العطاء والأداء وهذه هي الكارثة، فإذا لم تنصف المرأة نفسها فمن سينصفها ولا يكون من حقها هنا أن تطلب من الرجل إنصافها والوقوف بجانبها».
وتابعت «الغريب في الأمر أن المرشحات في الدورات الماضية يعتبرن من صفوة النساء في المجتمع فكل واحدة منهن لها سيرة ذاتية وتاريخ مشرف حتى أصغرهن سناً، ومع ذلك فضل المجتمع ذكوره ونساؤه عليها من هم أقل منها».
المقارنة أولا
وتؤكد شيخة العلي أن الدائرة التي تتبع لها هذه الدورة من المرجح أن تترشح لها إحدى السيدات، وأنه بدورها لن تقرر مَن ستختار إلا بعدما تقارن بين المرشحين وبرامجهم وخبراتهم، ومن ثَم تقوم بعملية الاختيار بناء على هذا «من الخطأ أن تقول إنني سأعطي صوتي للمرشحة المرأة فقط لأنها امرأة، فهذه أيضاً عنصرية مثل العنصرية التي تشكو منها بعض المرشحات السابقات، لكن المنطقي ما دامت المرشحة قررت أن تخوض العمل العام وخدمة الوطن والمجتمع المحلي فعليها أن تكون هي والرجل سواء، فلا تطلب معاملة خاصة أو وقوف النساء بالدائرة إلى جوارها، فهنا على الناخبين اختيار الأفضل والأجدر بهذا الاستحقاق، ومن ثم الوقوف بجانبه، ولو كانت المرأة هي الأجدر بتمثيل الدائرة فعلى الجميع مساندتها وليس الناخبات فقط، ولا يكون هذا تفضلا منهن، وهذا هو التفكير الذي يجب أن يسود في المجتمع، لكن ليس جنس المرشح، وهل ندعم المرأة أم نقف ضدها».
النصف للنصف
وفي المقابل تؤكد أم جبر أنها ستدعم المرأة لو ترشحت في دائرتها، مؤكدة أن النساء مظلومات ولم يأخذن حقهن في المجلس البلدي بالقدر المفروض «أعتقد أن المرأة تستحق أكثر من مقعد ولا أبالغ إن قلت إنها تستحق نصف مقاعد المجلس البلدي، فهي تمثل نصف عدد الناخبين، أي أنها تختار مثلها مثل الرجل بل ويكون تواجدها أكثر من الرجال في بعض الدوائر، فلماذا نُحرم من أن نكون ممثلات في المجلس البلدي بشكل كبير بتناسب مع تواجدنا في الانتخابات».
وتتفق معها عائشة العبدالله التي تؤكد أنها سوف تعطي صوتها للمرأة لو كانت هناك مرشحة في دائرتها، بل وستحث أفراد عائلتها على فعل الأمر نفسه، مؤكدة أن المرأة التي تتصدى لمثل هذه الأعمال تكون أكثر رغبة في خدمة الناس وحل مشكلات دائرتها لأنها تريد أن تثبت ذاتها وأن تنجح: «فالمرأة تكره الفشل خاصة عندما تكون في موضع مقارنة مع الرجل ولا تريد أن تكون أقل منه، على العكس، تريد أن تتفوق عليه وبالتالي لو كانت الدائرة في يد امرأة فخمنوا كيف سيكون حالها، وانظروا إلى دائرة المطار التي تمثلها السيدة شيخة الجفيري، ما شاء الله دائماً فيها عمل ومجهود واضح على كل مكان فيها، فهي من أكثر الأعضاء نشاطاً وأتوقع أن تكون باقي المرشحات كذلك أن أتيحت لهن الفرصة ونجحن».
اتركوها للرجال
«ما نبي مرة»، بهذه العبارة بادرتنا أم سعيد التي تبدو رافضة تماماً لمبدأ وجود المرأة في المجلس البلدي أو العمل الجماهيري الذي يتطلب احتكاكاً متواصلا بالجمهور، وبالتالي فهي ضد ترشيح المرأة في انتخابات المجلس البلدي وترى أنها لا تناسب طبيعة النساء، وأن هذه الأمور من الأفضل أن يتصدى لها الرجال «عن نفسي لن أرشح المرأة ولن أعطيها صوتي، فهي لن تصلح لخدمة الدائرة وأبنائها، فالرجل يستقبل أبناء الدائرة في مجلسه ويستمع لمشكلاتهم، ويقابلهم في المسجد وفي الأفراح والعزاء، فماذا ستفعل المرأة في كل هذا؟ هل ستفتح مجلسها وتجلس وسط الرجال وتستأنس معهم، وتتلقى الشكاوى والاقتراحات، وهل ستجري مثل الرجل على مكاتب المسؤولين لحل مشكلات الدائرة، أرى أن طبيعة المرأة لا تتناسب مع كل هذا والأفضل أن تتركها للرجال».
بتحيز.. وبدون
وتقول السيدة فاطمة المري إنها لم تحدد موقفها بعد مَن التصويت لرجل أو امرأة إلا أنها تؤكد أنها لن تتخذ موقفاً متحيزاً سواء مع المرأة أو ضد الرجل «إذا وجدت مرشحة في دائرتي جيدة ويمكنها تحمل المسؤولية فلما لا أنتخبها، ليس لديّ موقف مسبق ضد المرأة وأيضاً لن أنتخب أي مرشحة لمجرد أنها امرأة مثلي، وأتمنى أن يترشح وينجح الأصلح فعلا ومن يحل مشكلات الدائرة المتراكمة منذ سنوات».
لكن الموظفة الشابة عفراء تعترف أنها متحيزة للمرأة وستختار أي مرشحة تقرر خوض الانتخابات في دائرتها «للأسف مجتمعنا ما زال ضد المرأة، ولا يقبل بها رغم أنها أثبتت كفاءة في كل المناصب التي تقلدتها، وأنا من المتحمسات جداً للمرأة ولإعطائها فرصة للعمل، وأقول لكل الناخبين الذين ستخوض النساء الانتخابات في دوائرهن، امنحوها الفرصة ثم احكموا على نجاحها أو فشلها». وتتابع: «أفهم أن يمتنع الرجال عن منح أصواتهم للمرأة، وإن كنت لا أقبل أسبابهم، لكن ما لا أفهمه هو قيام الناخبات أيضاً بهذا، فإذا لم تنصفي بنت جنسك فلا تلومي أنتِ المجتمع بعد ذلك عندما لا ينصفك في أي موقف آخر، انصفي نفسك لينصفك الآخرون». وتقول ضاحكة: «لا أستبعد أن تكون لغيرة النساء من بعضهن البعض دخلا في عدم وقوفهن خلف المرأة، فكل واحدة تقول ولماذا اختارها، وهل هي أفضل مني لتكون مميزة عني، ولهؤلاء أقول وماذا لو فعل الرجال مع بعضهم البعض هذا. قليلا من تفضيل مصلحة الوطن يرحمكم الله».
العرب