السبيل الى فهم الرواية النسوية هو فهم النسوية، أو ربما هو فهم طبيعة الرواية، أو التساؤل «ما هي النسوية؟» و «ما هي الرواية؟». وقد لا تكون هذه الأسئلة في محلها، والأجوبة لن تشبع رضا السائل. وتتناول النسوية مسألة المساواة. وأقصد بها رفع القيود عن حركة النساء في العالم وتنقلها بيسر يضاهي يسر تنقل الرجال. وتقضي المساواة بأن يسع النساء العيش في مجتمع لا تدور تشريعاته على أجسادهن، وبأن يكون في وسعهن العيش في منأى من سيف العنف الجنسي وخطره. ولدى مقاربة حاجات النساء، لا مناص من احتساب الهويات المختلفة التي تسكنها المرأة وتنتسب إليها. وليس مدار النسوية على الجندر فحسب، فهي تدور كذلك على المساواة العرقية والإتنية والمساواة في القدرات والجنسانية والروحانية والطبقية وفي كل العلامات التي تعرف الواحد منا.
ولا تتناول الرواية النسوية ما نحن عليه فحسب، بل كذلك طرق عيشنا. والنواة السردية في هذه الرواية تدور على مشاغل المرأة، وقصصها وحيوات النساء. ويستبعد أن يبرز إجماع على ما يجعل رواية ما نسوية، في وقت يفتقر الى إجماع على ما يجعل الرواية رواية. ولكن ثمة روايات تخطر المرء حين يفكر بمثل: «بيلوفد» (محبوبة) لتوني موريسون، و«ورق الجدران الأصفر» لشارلوت بيركينز جيلمن، و«الخوف من التحليق» لإريكا جونغ، و «البرتقال ليس فاكهة يتيمة» لجانيت وينترسون، و «قصة خاضعات (أو خادمات)» لمارغريت آتوود... وتحدي الرواية النسوية هو سرد رواية مشوقة. فكفة الطموح النسوي لا يجوز أن ترجح على كفة الطموح السردي، وإلا لا يرتقي المكتوب الى مصاف رواية. وليست كل رواية تعتني بحيوات النساء نسوية. ولا شك في أن «فيفتي شايدس أوف غراي» ليست رواية نسوية، فهي لا تسلط الضوء على حال الإناث أو تقترح التغيير أو ترفع لواء ما يخدم مصالحهن. ورواية أليس والكر «حيازة سر الفرح» نسوية بامتياز. وفي النصف الثاني منها تصرخ البطلة تاشي: «هل تتحمل معرفة ماذا فقدت؟»، وهذا سؤال عسير. ففي نهاية الرواية، حين يعرف القارئ ما خسرته تاشي، تعصى الحقيقة الاحتمال.
ووقعتُ على «حيازة سر الفرح» حين تخرجت من المدرسة، وبدأت دراسة جامعية وحسبت أنني أعرف أشياء عن المرأة والأثقال التي تحتملها. لكن أشياء كثيرة خفيت عني. و «حيازة سر...» كشفت لي أشكال عدم معرفتي هذه. ووقعت على هذا الكتاب إثر قراءة «اللون القرمزي». فكتابات أليس والكر تنفخ فيّ التوق الى معرفة المزيد عن حيوات نسائها، وعن أحوالهن. و «حيازة سر...» رواية مركبة، ولكن وزنها يرجح، إذ تدين ختان الإناث، فهي تتوسل الخيال لتسليط الضوء على مسألة تصيب نساء في كل أنحاء المعمورة، من غير الاعتذار عن معتقدها النسوي ومن غير نسيان أن تروي القصة. و «تميط «حيازة سر...» اللثام عن أثر ثقافات مسقط الرأس والثقافات التي نتوق إليها في حيواتنا. وحين تتكلم تاشي عن أفريقيا، تقول: «جسدي غادرني، لكن روحي بقيت». وحين تحاول تفسير نظرتها إلى المرأة الأميركية تقول: «هي شخص يبدو جريحاً لكن جرحه مستتر عن العيون، وفي بعض الأحيان مستتر عن النفس ذاتها، فالأميركية تشبهني». وحري بالرواية النسائية أن تتناول الرضة النفسية والحزن والمرارة. وتتذكر تاشي حدادها وحداد أمها على شقيقتها دورا التي نزفت إلى أن فارقت الحياة إثر الختان. «شعرت في قلبي ثقل موت دورا يستقر في روح أمي... وإذ ناءت تحت الأثقال، حاولتُ التنبؤ بخطواتها (دعساتها)، وحذرت من المشي فوقها وتلطيخ قدمي بالدموع والدماء»، قالت تاشي. والرواية النسوية لا تتجنب ما يزعج القارئ المحتمل ويؤلمه. وفي الإمكان أن تتناول ما سلب من النساء، وشعورهن بالخسارة. وتاشي يذهب عقلها من الألم. وفي قسم آخر من الرواية، تتهم بقتل مليسا، المرأة التي ختنتها يوم كانت مراهقة، وحكمت بالإعدام. وشطر من الرواية على لسان مليسا التي تثقل على ضميرها عمليات ختان نفذتها. وهي لا تنسى ظروف عملية ختانها هي، وكيف سعت والدتها إلى إنقاذها وأخفقت. فلا جواب في المتناول لدى الكلام على بتر أعضاء النساء التناسلية. وقد يتواطأن على ختان الصغيرات ويتمسكن بهذا الطقس.
* كاتبة أميركية، أستاذة جامعية، عن «ديسنت» الأميركية، خريف 2014