الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

"شوك وحرير" لجميلة القصوري كوميديا سوداء لتونس ما بعد "الثورة"

  • 1/3
  • 2/3
  • 3/3

الثريا رمضان - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

سكيزوفرينيا الشعب، سكيزوفرينيا النخبة السياسية والنخبة "المثقّفة" في تونس، سكيزوفرينيا تتّضح في "شوك وحرير" للكاتبة والإعلامية التونسية جميلة القصوري، من خلال ثنائيّات تعاملت معها بفكر تحليلي عميق، بداية من العنوان نفسه شوك/حرير، وصولا إلى الثورة/الثورة المضادّة، الحرية/الإستعباد، الماضي/المستقبل، الطغيان/العدالة..... ثنائيّات تناثرت على سطور مجموعة من المقالات الصحفية، لكنّ خيطا رفيعا ربطها ببعضها البعض، فجعلها سلسلة متوحّدة المعنى تأخذنا دائما لتساؤل محوريّ "إلى أين تأخذُ الثورةُ تونس؟".
المقالات، التي جُمعت في كتاب "شوك وحرير"، الصادر عن مؤسسة سنيب، لابراس لسنة 2015، كانت نُشرَت في جريدة "الصحافة اليوم" على امتداد قرابة الأربع سنوات، ابتداء من 24 أفريل/نيسان 2011 إلى 24 أكتوبر/تشرين الأول 2014، لتُمثّل توثيقا لما حصل من أحداث خلال تلك الفترة، وشاهدا حيّا على انفصام شخصيّة الفكرة (فكرة الثورة) إن صحّ التعبير ومن روّج لها. تلك الثورة التي كانت فكرة بوجهين، الوجه المثير الذي أشعل فتيل باقي الثورات ضدّ الدكتاتوريّات في المنطقة، والوجه المخيف الذي عرّى واقعا كان يختبئ بين الجدران. كتاب كما قال عنه الإعلامي التونسي عبد الحليم المسعودي "شاهد على الخراب التونسي المحض، لكنه شاهد أيضا على إعتمالات الشرانق في رحلتها من دودة القز إلى الفراشة، نصوص يعتقد البعض أنها عابرة ولكن التاريخ يحتضنها كشهادة ضدّ النسيان".
عندما تتصفّح كتاب "شوك وحرير" تُطلّ عليك هذه المعاني بكلّ شفافيّة الحروف وتلقائيّتها، إذ يُراودك إحساس أن جميلة كانت تنطق بلسان مواطن تونسي من عامّة الشعب، فاض صدره بما يحصل فانفجر على الوضع. تكاد الكاتبة، كما تقول الدكتورة ألفة يوسف في تقديم الكتاب "تكاد الكاتبة تعرض، في فوضاها المنظّمة، لكلّ الأحداث السّياسيّة الهامّة والأقلّ أهمّية: معرض العبدلّيّة، العروشيّة، التّطاول على قطر، نهدا أمينة، اغتيال شكري بلعيد، البيضة على رأس الوزير، رحيل أحمد فؤاد نجم، الإرهاب..." هذه الفوضى إذن، ليست سوى تسلسلا منظّما لهذه الأحداث وسواها، ضمن منظومة سياسية ومجتمعيّة فجّرت حبر جميلة القصوري لتنظِمَ عقدا متناسقا، خضّبته بأسلوبها الساخر الممتزج برؤيتها التشاؤميّة للوضع، فتُعنوِنُ أحد مقالاتها "أنا متشائمة" وتُعنون آخرا "لك الله يا مواطن". وكثيرا ما يخرج علينا طيفُ مواطن تونسي يضرب الكفّ بالكفّ بين سطور جميلة القصوري، صارخا من خلال كلماتها "يقول المثل الفرنسي أنّ الانسان يتعلم من الهزيمة ولا يتعلم من النجاح... ونحن شعب مهزوم منذ أمد... تعاقب علينا الغزاة من رومان وإسبان وأتراك وفرنسيين و... ولم نتعلم... مازلنا نتجرّع اختلافاتنا البيزنطيّة ولم نتجاوزها إلى مرحلة تفعيل خياراتنا". وفي مقال آخر "أعزائي المسؤولين... رجاء... اشغلوا البلاد بتصريحاتكم واملؤوا الحياة العامة صورا حوارات وصخبا... واحتفلوا بانتصاراتكم ما شئتم فلكم ذلك.. ولكن امنحوا هموم التونسي بعض الاهتمام... البلاد تغرق لا في شبر أمطار فحسب بل في حالة إحباط عامة أحالت أحلام شعبها على التقاعد  الوجوبي.. فمتى تزول هذه المسامير المؤلمة من خاصرة البلد.."
استخدمت جميلة أسلوب الكوميديا السوداء، لتذكّرنا بأنّ التونسي، حتى في أحلك أيّامه ساخر من الحياة بطبعه، لكنه لا يسكت أبدا عن حقّه، وكما تقول الدكتورة ألفة يوسف "جميلة القصوري لا تجيد المهادنة ولا المراوغة ولا تنشد إرضاء أحد، بل لعلّها لا تنشد حتّى إرضاء نفسها. وحده قلمها الجامح المتحرّر من أيّ محاباة هو المنتصر المغوار."
هذا القلم الجامح، آثر أن لا يصمت ضدّ الأوضاع المتردّية للبلاد وضدّ الحكومة في أخطائها وضدّ مسؤولين انزلقوا في قشرة موز، وضدّ خروف العيد الذي قصم ظهر المواطن، وضدّ سياسيين يتلاعبون بالشعب في انتخابات تشوبها رائحة المال الفاسد، وقبل كلّ هذا وذاك ضدّ الفوضى التي خلقتها الحرية، والديمقراطية المشبوهة التي خلقتها "الثورة"، وتغوّل المجتمع قبل السياسيّين. 
هذا القلم أبدع لغويا، فمع سلاسة اللغة التي استخدمتها جميلة القصوري، استطاعت أيضا، ومن خلال الاستعارات والصور التشبيهية أن ترسم أفكارها بريشة راقية، رابطة بين الأوضاع اليومية للمواطن والأوضاع السياسية المحيطة به بحرفيّة لغوية كبيرة.
ما نلاحظه أيضا في شوك وحرير، أن الكاتبة انتقت العناوين بدقّة واضحة، إذ كانت كالمغناطيس في قوّتها الجاذبة، فتطالعك بـ "احزموا خيباتكم وارحلوا"، "عندما ينزلق السيّد نظيف في قشرة موز"، "حقن ضدّ التلبّك"، "باعْ يا وطن" وغيرها من العناوين المستفزّة، المثيرة للجدل. عنوان الكتاب نفسه كان مثيرا للجدل، وفي سؤال وكالة أخبار المرأة للكاتبة عمّا قصدته من خلال "شوك وحرير"، تقول: "تونس هي قماشة الحرير التي جرحها الشوك".
المرأة كانت أيضا حاضرة وبقوّة في كتاب جميلة القصوري، لتدافع عنها بشراسة أمام محاولات تهميشها سياسيا وثقافيا واجتماعيا وحتى رياضيّا، المرأة حضرت من خلال بسمة بلعيد أرملة الشهيد شكري بلعيد، وحراكها السياسي، ومن خلال أنس جابر البطلة التونسية في رياضة التنس التي وصفتها بأنّها "طفلة بعزيمة ألف رجل"، ومن خلال دفاعها عن قيمة المرأة ومحاولات البعض لتهميشها باستخدامها كمجرد واجهة في القوائم الانتخابية، كديكور لتزيينها.
تقول جميلة في أحد مقالاتها بلهجة تحدٍّ: "مُتحيّزة أنا بطبعي للمرأة... فأنا أخت البنات وأمّ البنات وصديقة البنات وسليلة امرأة مكافحة ناضلت من أجل تنشئة ثلّة من مشاكسات يتقاتلن تحت سقف واحد وكنت أكثرهنّ شغبا.. متحيّزة أنا بطبعي للمرأة...وكنت ومازلت صدرا كبيرا يحتضن همومهنّ... أنا مع المرأة ظالمة ومظلومة... ورغم أنّي في علاقة جدليّة معقّدة مع موقفي العنصري منذ أمد... إلاّ أنّ هذا لا يغيّر من مبدئي شيئا..."
مقالات جميلة القصوري أحدثت ضجّة كبيرة، وخاصة منها مقالُها "ولكنّه لم يكن سيئا إلى هذا الحدّ"، الذي وصفت فيه الكاتبةُ الرئيسَ التونسي المخلوع بن علي بأنّه "لم يكن سيّئا إلى هذا الحدّ.. ولو تابعتم ثلاثية "سيّد الخواتم" لبيتر جاكسون لفهمتم أن للسّلطة سحرها وألقُها وهو كان ببساطة كغيره من عاشقي السلطة و لم يشذّ عن غوايتها". هذا المقال الذي وُوجِه بعنف ورفض شديديْن، إذ أحدث ضجّة على شبكات المواقع الاجتماعية وفي عدد من وسائل الإعلام، قارنت فيه جميلة القصوري فترة حكم نظام بن علي بفترة حكم الترويكا، من حيث هيبة الدولة والفساد المالي والسياسي والأمني والمجتمعي، وعرّت فيه سياسيّي تونس، وما يحصل خلف كواليس السلطة بشكل عام "جهل وانتهازية وعدمية وحمق سياسي متوارث زمن الثورة"، ونبشت في فكرة بريق السّلطة ومدى قدرتها على تغيير الناس حتّى المناضلين منهم، لتصل بنا إلى فكرة مركزية تقول بأنّ السلطة لا تترك أحدا "نظيفا"، حتى لو كان نبيّا، وأن من سبّوا ولعنوا بن علي من أصحاب السلطة في تونس، ليسوا أفضل منه في شيء، بل ربّما أسوأ منه.
مقالات جميلة القصوري أحدثت الكثير من الضجّة، سيّما وأنها رصدت بعين الملاحظ والمواطن والصحفي، حالة الفوضى العارمة التي عرفتها البلاد منذ يوم 14 جانفي/كانون الأول 2011، وما تخلّلها من أحداث عنف تتالت على مدى سنوات، وكذلك موقفها الواضح من "الثورة" بأنها "لم تكن ثورة ولكن شُبّهَ لنا"، وفي هذا الإطار صرّحت الكاتبة لوكالة أخبار المرأة قائلة: "ماذا تقولين عمّن يرفضون الاقتناع بأن هذا الربيع لم يكن سوى خريفا حملت لنا رياحه سُموما لا تعدّ... هذا لا يعني أننا نرفض حقّ الشعب التونسي في الحلم بالحرية والديمقراطية، وهذا لا يعني أننا نحنّ لبن علي، ولكنّنا نحنّ بالتأكيد إلى زمن لم تستبح فيه دماء التونسيين ولم تسفك من أعالي الجبال... الديكتاتورية قد تكون ضرورية في مرحلة ما لإرساء النّظام وتحقيق الأمن ولْتَأتِ إثر ذلك كل المراحل الممكنة، وللحديث بقيّة. كلامي لن يعجب الثورجيين ولكنّه رأيي الذي أجهر به ولا أخشى فيه لومة لائم." وتردف الكاتبة قائلة: "لسنا ضد الثورة، ولكننا ضدّ وَهْمِ الثورة، وقد أشرت منذ سنة 2011 إلى أنّ ما حصل في 14 جانفي 2011 يحتمل أكثر من تأويل وقلنا أنّه يمكن أن يكون انقلابا وَوُوجِهْتُ حينها ورُفِضَ رأيي، ولكنّي أصرّيت عليه، وكتبته وهو موثّق في مقالاتي. بن علي لم يكن بالهشاشة التي تجعل من شارع الحبيب بورقيبة قادرا على قلب نظام حَكَمَهُ بالحديد والنار لمدّة تفوق العِقْدَيْن، ولكنْ، ماذا تقولين؟".


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى