يعجبني كثيراً مشاهدة كل هذا الحماس من الكثير من الفتيات، وتثلج صدري رسائلهن التي تسأل عن الإبداع والتميز، ومحاولتهن استلهام خبرات الآخرين والأخذ بها والسير على خطى أهل الخبر والمعرفة.
أقدِّر كثيراً البعض ممن يريد الكتابة والتأليف وتجده كالنحلة يدور هنا وهناك ويحلق في كل مكان للمعرفة، ويحاول أن يلتقي بالمؤلفين ويتحدث معهم، وحضور المحاضرات والورش التعليمية. هذه جميعها مؤشرات على نهم معرفي ورغبة حقيقية في التميز والإبداع والتحليق في عالم الكتابة، والجميل في مجال الكتابة والتأليف أنها واسعة جداً ومتاحة للجميع دون استثناء، هي أشبه بالساحة الكبيرة التي يمكن للجميع النزول فيها وتقديم عروضهم بكل حرية وأريحية.
وأيضاً هي أشبه بالغابة الكثيرة الخضرة الوفيرة الأزهار والورد والثمار، لكنها مثل أي غابة فيها مخاطر عديدة ومتنوعة، فإذا لم تتعلم كيف تسير وتعيش فيها فإن حياتك تكون مهددة بالخطر، وفي مجال الكتابة يكون مشروعك الإبداعي مهدداً بالفشل والإخفاق إذا لم تحسن التعامل مع معنى أن تكون مؤلفاً وكاتباً، إذا لم تعظم قبضة القلم ورسالته، فهنا تكون المعضلة الحقيقية..
كما سبق وذكرت بأني أقدر جهود كل من أراد اقتحام عالم الكتابة والتأليف، وأقدر عالياً كل تساؤلاتهم التي فيها نهم معرفي للاستفادة والتعلم من الخبرات، لكنني أؤكد بأن هذا وحده أو الاعتماد عليه دون سواه لن يفيد أبداً، بل كأنه مضيعة للوقت والجهد لا أكثر ولا أقل.. وتبقى على كل من يريد أن يمارس هذا الفن الوجودي الخلاب أن يصقله بالكتاب نفسه، بأن يكون دائم القراءة دائم الاطلاع، أن يكون ذهنه مفتوحاً على كل جديد وراصداً لكل تطور، ومحللاً لكل خبر وحدث بموضوعية ودقة..
يمكن أن تكتب وتؤلف لكن تأكد أن المهمة ليست في إصدارك لمنجزك الأول وتنتهي، بل المهمة مستمرة ما دمت مستمراً بالتنفس، لأن الكتابة عطاء دائم لا يعرف الكلل أو الملل، لذا نحن دوماً نشاهد من يقتحم هذا العالم ويصدر كتاباً أو اثنين لكنه سرعان ما يختفي ولا نعرف أين ذهب، ولا إذا كانت لديه مشاريع مقبلة، والبعض فعلاً صرح أنه أصيب بالملل أو المفاجأة من الساحة الأدبية وجمهورها، هؤلاء عندما توجهوا للكتابة لم يذهبوا لمعناها وعمقها بل لبريقها، توقعوا أنها ستمنحهم الشهرة السريعة والمجد، لكنهم سرعان ما أدركوا أنهم يحلمون .. الكتابة استنزاف وهَمّ، ولكنها أيضاً فرحة وشعور دائم بالإنجاز، إذا كانت مشاعرك نحوها حقيقية ومجردة ومن أجل مجد المعرفة ونشرها لا مجدك الشخصي.