الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

حرائق مفتعله

  • 1/2
  • 2/2

الكاتبة الصحفية: عاليه اسحاق الشيشاني - الأردن - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

البيئة المضطربة التي يغيب عنها الامن والاستقرار السياسي ، وتظهر فيها الصراعات الداخلية بين ابناء الوطن الواحد ، هي بلا شك بيئة مثالية لتفريخ وتوافد حملة الافكار العنيفة من كل جنس ولون بحثا عن  مسرح يعبرون  فيه عن انفسهم ، ومكانا لتحقيق اهدافهم الغير سويه .  من هذه  الفئات ،، عصابات المخدرات وتجار الرقيق  وتجار السلاح ومهربو الاثار .
هذه العمليات الغير مشروعه والتي تقف خلفها بعض الانظمة ( او تغض الطرف عنها بسبب منافع متبادله) تتخذ احيانا اقنعة تخفي وراءها وجهها الحقيقي  ، فقد تتطفل قوى مسلحة على حركات تحرر وطنية وتدخل في حسابها ثم بعد مدة تتباين المواقف بين الاطراف ليتضح الهدف الحقيقي من وراء ذلك التعاون والتنسيق ، كبعض الحركات المسلحه المحسوبة على الاسلام وقد يكون من  بين منتسبيها بعض من اصحاب النوايا الحسنة الذين يشعرون بوخز الضمير وهم يراقبون ابناء جلدتهم المسلمين يعذبون ويقتلون تحت حكم انظمة مستبده فيلقون بانفسهم الى ميدان المعركة  لنصرتهم وهم لا يدرون انهم ربما يحاربون تحت لواءٍ قد عقد في احد اقبية جهاز امني تابع لدولة غربيه  ، ولا يعلمون حقيقة اهدافه على وجه الدقه .
وبالعودة الى التنظيمات الاجرامية التي تتاجر بالبشر والحجر على حد سواء ، نقول انه لتحقيق تجارتها ينبغي عليها اشعال بعض الحرائق بمفهوميها الحقيقي والمجازي . فكم من حرائق حقيقية ومجازية اشعلت عبر التاريخ للتغطية على بعض الاهداف الخفيه ، فهناك نظرية تقول ان حريق روما الشهير والذي اتهم الامبراطور نيرون  باشعاله كان مفتعلا لتسهيل هروب بعض السجناء من سجن روما ولزعزعة الاستقرار داخل الامبراطوريه . وآراء اخرى تقول ان احراق الرهبان الاسبان  للكتب الاسلاميه والمخطوطات العربيه اثر خروج المسلمين من الاندلس كان للتغطية على سرقة تلك الاثار النفيسة ، وان ما احرق من مخطوطات وكتب انما كان غير ذي قيمة ، وان المخطوطات القيمة قد تم اخفائها والاستفادة مما تحويه من علوم . وفي نفس السياق فبعد حوالي مئة سنه على سقوط غرناطه آخر معاقل المسلمين في الاندلس وتحديدا في العام 1690 م بدأ الوزير محمد بن عبد الوهاب الغساني رحلته الى الاندلس مبعوثا في مهمة رسمية من قبل (مولاي اسماعيل)  سلطان المغرب في ذلك الوقت ، والمهمة كانت تتلخص في امرين : انقاذ الاسرى المسلمين ،  واستعادة المخطوطات العربية التي تم جمعها من مختلف انحاء الاندلس وايداعها في مبنى الاسكوريال ، وكانت السفن الاسبانية في عهد الملك فيليب الثالث  قد دخلت المياه المغربية وقامت بالاستيلاء على مخطوطات تعود للسلطان مولاي زيدان وعددها 3 آلاف مخطوط  كانت موجوده على متن احدى السفن المغربيه ، ليرتفع بذلك عدد المخطوطات المحفوظة في مبنى الاسكوريال الى عشرة الاف مخطوط دفعة واحده , وعندما حضر الوزير الغساني لاستعادة هذه المخطوطات بكى الرهبان امامه على هذه الثروة الضائعه واخبروه ان حريقا ضخما التهم هذا الكنز الثمين ، واصطحبوه ليشاهد بعضا من آثار ذلك الحريق في المبنى ، ربما نجح الغساني في انقاذ الاسرى المسلمين ولكنه لم ينجح في انقاذ الكتب الاسيره ، بسبب حريق مفتعل اراد مشعلوه التستر من خلال دخانه على سرقتهم لتلك المخطوطات .
وفي وقتنا الحاضر ، كم من الحرائق (حقيقيه ومجازيه) نتابع تداعياتها  عبر وسائل الاعلام  حرائق يتم استغلالها من قبل التنظيمات المجرمه لتحقيق اهدافها ، فبالامس القريب تم نهب آثار لبنان في ظل حريق الحرب الاهليه اللبنانيه الذي امتد لاكثر من ستة عشر عاما ، واليوم يتم نهب آثار سوريا وافراغ ذاكرتها الحضاريه من خلال حرائق هنا وهناك يشعلها امراء الحرب واذنابهم من الشبيحه ، والتنظيمات التي تتستر برداء الاسلام مثل تنظيم داعش الذي يصرح بان التماثيل الاثريه انما هي اصنام واوثان ينبغي ازالتها ، هذا دخان الحريق المفتعل ، اما احد الاهداف الحقيقيه ( في رأيي الشخصي) فهو الاتجار بالآثار واستجلاب المزيد من الاموال ليبقى التنظيم في وضع متماسك ، والله وحده يعلم من الجهة التي يتعامل معها لبيع وتهريب تلك النفائس الى خارج سوريا ، بل ربما هي جهات وعصابات دوليه منظمة .
 اما العراق ،وما ادراك ما العراق فآثاره وكنوزه الحضاريه التي تحوي سجلات احداث الزمن الغابر يتم نهبه وسرقته منذ افتعال حريق الغزو الامريكي للعراق في 2003  ، والاثار المنهوبة بعضها يعود لكنوز النمرود وآخر يختص بمرحلة السبي البابلي لليهود ومنها اقدم نسخة للتوراة ، هذه الكنوز وصلت الى اسرائيل من امريكا وجرى الاستيلاء عليها باعتبارها ارثا يهوديا خالصا .
اليوم يكمل تنظيم داعش الارهابي مهمة سرقة آثار العراق وسوريا  وبيعها لعصابات الاتجار بالاثار . ففي كل ارض يتمكن منها تنظيم داعش يعمد رعاعهم الى دخول المدن الاثريه ، ويتم التقاط الصور لهم وهم يهدمون التماثيل الحجريه ويشوهون الجداريات الفنيه  ، صور للاستهلاك الاعلامي طالما برع التنظيم في توظيفها لخدمة اهدافه ،  ثم ينهب الرعاع  القطع النقديه وما خف وزنه وغلا ثمنه من تحف الزمان الغابر ليتم بيعها ولتمتلىء جيوب التنظيم بكل انواع المال الحرام،،  اموال النفط والآثار وممتلكات العامه .
قد يقول قائل ان التنظيم يفعل ذلك بسبب اعتقاد راسخ لديه بحرمة هذه التماثيل ، وقد يستشهد اصحاب هذا الرأي بما فعلته حركة طالبان من تفجير لتماثيل بوذا في افغانستان قبل اكثر من عقد ، اعتقد انه لا مجال للمقارنة بين ما جرى على يد طالبان وما يجري على يد داعش فطالبان اقدمت على تدمير تماثيل بوذا في محاولة يائسه للفت انظار العالم اليها لانها كانت تعيش في عزلة دولية شبة تامة ، اما داعش فهم همج لا يرون في الآثار سوى بريق الذهب والفضه ورائحة الدولار ، يقتلون،  ينهبون الاثار،  يسترقون النساء والاطفال ويبعونهم في اسواق النخاسه ، تجار بشر وحجر .يعقدون حلفا غير مقدس مع عصابات دوليه تتاجر بالاثار المنهوبه . يحسبون الناس في غفلة عن نواياهم الحقيقيه .
اليس بين صفوف هذا التنظيم رجل رشيد يخبرهم ان الله عز وجل لو اراد محو تلك الاثار عن وجه الارض لفعل ، وانه ترك هذه التماثيل والشواهد والاثار عبرة يأخذها الاحياء من الامم الغابرة ، وكدليل دامغ على صحة ما ذكر في القران من قصص الامم الغابره ، اليس بينهم رجل يقرا القرآن فيتدبر ما جاء في سورة الروم(  أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) . او قوله تعالى في سورة مريم ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا) .
النتيجة انه بعد سنوات ستصبح سوريا والعراق اوطانا بلا ذاكرة حضاريه ، بعد طمس معظم دلائل التعدد والتنوع الحضاري فيهما ، واليوم ،، وفي ظل الوضع الامني المتدهور في اليمن والذي يعبر عن نفسه من خلال الفراغ السياسي والامني ومغادرة العديد من البعثات الدبلوماسيه لصنعاء ، هل سنشاهد( لا قدر الله) حرائق مفتعلة في اليمن يتسلل من خلف دخانها المتاجرون بارث الامم فينهبون  آثار باب اليمن في صنعاء ويبيعون عرش بلقيس في صالات المزادات ، وتدمر تماثيل ملوك حمير  وتجرف آثار  عدن ...
هل سنصبح امة بلا ذاكرة حضاريه ، هل كتب علينا ان نظل مجرد بكَائين ورواة للاخبار  نردد ابيات احمد شوقي :
وقيل معالم التاريخ دكت      وقيل اصابها تلف وحرق

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى