مفتونة بالجمال والتجميل منذ نعومة أظافرها، ومليئة بحيوية أهّلتها لاقتحام عالم ذكوري بامتياز. إنها ساندرين ناما، شخصية تختزل عالم الأعمال النسائي في بوركينا فاسو، وامرأة صنعت لنفسها مسيرة مهنية حافلة، منحتها تأشيرة التحليق عاليا في مجالها. حصلت ساندرين، وهي في سن الـ 23، على شهادة الماجستير في إدارة المشاريع، غير أنّها سرعان ما أدركت أنّ التحصيل الأكاديمي إن لم يستثمر في مجال عملي ناجع وقريب من ذات صاحبه، فلن يعود بالنفع عليه. كان عليها إذن البحث عن عمل، فتقدّمت حاملة شهادتها إلى العديد من المؤسسات البوركينية عارضة ذكاءها وحيويتها وتفوّقها، غير أنّ جميع محاولاتها باءت بالفشل. ساندرين المنحدرة من عائلة بوركينية متوسّطة تتكوّن من 3 أطفال، فشلت في الحصول على عمل، والسبب، كما تقول في حديث لوكالة الأناضول، كان صغر سنّها، فأصحاب المؤسسات التي قصدتها، اتفقوا على إجابة واحدة: "أنت صغيرة جدا لتنالي هذه الشهادات، لا يمكننا توظيفك وأنت في هذه السنّ، أنت لم تجتازي مرحلة الطفولة بعد". ردود الأفعال تلك خلّفت لديها استياء بالغا، ومع ذلك لم تفقد الثقة في قدراتها وفي كفاءتها، لتجد نفسها مجبرة على الإبحار بمفردها. بدأت بتقديم خدمات صغيرة في مجال ديكور الصالونات، وتنظيم بعض التظاهرات الصغيرة، وعلاوة على ذلك، تمكّنت من الحصول على موافقة عدد من وكالات الاتصال في البلاد، لاكتساب خبرات إضافية في هذا المجال، كما تقول للأناضول. موهبة اقترنت بجرأة من النادر أن تتوفّر في فتاة بعمرها، اختارت أن تجازف حتى أنّها كانت تذهب لملاقاة الزبائن وتقترح عليهم جملة الخدمات التي يمكنها أن تقدّمها لهم، قبل أن تستدرك "لكني لا أملك المال الكافي لتوفير التمويل"، بما يعني: "أريد أن تعطوني تسبقة (عربون أو جزء مسبق) من السعر الإجمالي، وسترون النتيجة". ابتسامة خافتة ارتسمت على طرف شفتها وهي تستعيد ذكرياتها.. "أحدهم قبل منحي ثقته، وحين تمكّنت من استيفاء تعهّداتي، أصبح لحياتي مذاق مختلف". اليوم، تبلغ من العمر 28 عاما، وإلى جانب تألّقها في مجال الأعمال، فازت ساندرين خلال مشاركتها في إحدى برامج تليفزيون الواقع المتخصّصة في الموسيقى. فنّانة بكلّ المقاييس، هكذا تقول نظراتها الواثقة بغير غرور، وتنبض حركاتها المدروسة بغير تكلّف. خلال 5 سنوات فقط، استطاعت تأسيس شركتين: الأولى متخصّصة في الاتصالات وتنظيم المناسبات والتظاهرات المختلفة، والثانية شركة تحوّلت سريعا إلى علامة مميّزة في مجال الإبداع الفنّي والديكور المستوحى من التراث الإفريقي. وفي إحدى ورشاتها الواقعة قبالة منزل والديها في العاصمة واغادوغو، تعرض الشابة البوركينية ملابس إفريقية وإكسسوارات ومجوهرات مقلّدة، إضافة إلى حقائب يدوية وأحذية مصنوعة من المواد المحلّية. "نحن نمنح قيمة كبرى للخبرات المحلية في شركتنا، كما نستخدم المواد المحلية التي نقوم بمعالجتها وتحويلها"، تقول بذات النبرة الواثقة، قبل أن تضيف: "تماما كما يقول توماس سانكارا (الرئيس الخامس لبوركينا فاسو، وزعيم الثورة البوركينية توماس سانكارا 1984 – 1987): لننتج سلعا بوركينية ولنستهلك منتجات بوركينية". موهبة ساندرين النادرة وفّرت مواطن شغل لـ 8 موظّفين قارين و67 متعاقدين في وكالة الاتصال، وحوالي 10 آخرين في مجال الديكور والموضة والأزياء. غير أنّ هذا النجاح الذي تعيشه اليوم، لم يكن وليد الصدفة، وإنما تطلّب الكثير من الصبر والمثابرة والشجاعة أيضا. "بدأت بصفر من الفرنكات"، تتابع سيدة الأعمال البوركينية، وكنت أمضي 6 أشهر بأكملها دون أن أحصل على أيّ صفقة، وكان ذلك بمثابة المعركة الدائمة التي عليّ أن أخوضها كلّ يوم حتى الآن". "ثورية" بأتم ما تعنيه الكلمة، وقناعاتها المتشبثة بالحرية راسخة في أعماقها، بل كانت من ضمن المحتجّين الذين ألهبوا شوارع واغادوغو، أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وأجبروا الرئيس السابق بليز كمباوري على الاستقالة وطلب اللجوء في كوت ديفوار، لتدخل، إثر ذلك البلاد، في مرحلة انتقالية. وتعقيبا على هذه الانتفاضة التي مثّلت منعرجا حاسما في تاريخ بلادها، قالت ساندرين: "في اعتقادي أننا في حاجة إلى الاستقرار بعد 27 عاما من الفساد وسوء الإدارة. صحيح أنّ الطلب تقلّص، لكننا مستعدّون لتحمّل ذلك، طالما أننا على يقين أنّ الفرص ستتساوى أمام جميع الفاعلين الاقتصاديين". عالم الأعمال – على ضراوته- لم يستحوذ على كامل اهتمام الشابة البوركينية، والتي لم تتمكّن يوما من التغاضي عن حبّها العميق للموسيقى. اليوم في رصيدها اثنين من الألبومات الغنائية، وتؤكّد أنّ طرحها لمجمل تلك الأغاني لم يكن بغرض ربحي، وإنّما كان كلّ ما يعنيها هو الدفاع عن القضايا الإنسانية النبيلة، وخصوصا تلك المتعلّقة بالمرأة، مثل ختان البنات ووفيات النساء عند الولادة وغيرها. توجّه توّجها، في العديد من المناسبات، لنيل جوائز شرفية، وأهّلها لأن تكون سفيرة النوايا الحسنة للكثير من المنظمات غير الحكومية، بينها العفو الدولية. تحلم بوحدة إفريقية تتقاسم فيها بلدان القارة قيم التضامن والتعاون، أما على الصعيد المحلي، فتتطلّع لـ "رؤية ذلك التضامن الذي أراه لدى شعوب كثيرة يتجسّد في بوركينا فاسو.. أعيش على أمل أن يسود التعاون بين الشباب، لأنّه حين كنا متعاونين ومتّحدين، قمنا بانتفاضة، لذلك لا ينبغي انتظار كلّ شيء من الآخرين، وإنما علينا فعله بأنفسنا". ساندرين استطاعت اليوم أن تجعل من نفسها امرأة ناجحة ومستقلة ماديا، غير أنّ ما يثير استياءها هو تلك النظرة التي يرمقها بها بعض الرجال البوركينين، ولسان حالهم يقول: "هذه المرأة تعمل وتمتلك كلّ شيء، فما لذي عسانا نقدّمه لها؟". "لا أعتقد أنّ السعي نحو تحقيق استقلاليتي المالية يمكن أن يتحوّل إلى عائق أمام بناء أسرة. راتب واحد لم يعد يكفي، وعلى المرأة أن تكون قادرة على مساعدة الرجل".. هكذا ردّت وعيناها تنبضان ببريق يترجم غضبها واستياءها.