سبقني إليها بقلمه الزميل العزيز ورفيق طريقي في عالم صاحبة الجلالة المبدع فهمي هويدي زميل رحلة الشقاء والضني في الأهرام عندما كان قائما شامخا أبيا في الزمن الجميل في شارع مظلوم في باب اللوق.. عندما كتب عنها في عموده اليومي في العزيزة جريدة الشروق يقول:
أرشح هذه المرأة لأن تكون سيدة العام في مصر.. هي صيصة أبودوح.. أمية لا تقرأ ولا تكتب وتعيش في محافظة الأقصر في أقصي صعيد مصر.. مات عنها زوجها وهي حامل في شهرها السادس.. أهلها لم يكن في مقدورهم أن يساعدوها بسبب الفقر المقيم أبد الدهر في قري صعيد مصر..
وحاولوا تزويجها ولكنها رفضت أن تعاشر رجلا غير زوجها.. بحجة أن المرأة الأصيلة لا تتزوج بعد وفاة زوجها.. ومن ثم فقد قررت وهي بنت العشرين أن تخوض غمار الحياة وحدها، وأن تدافع عن ابنتها الصغيرة هدي.. ودخلت مجتمعا يعتبر المرأة عورة.. ولأن سوق العمل مقصورة علي الرجال وحدهم.. فقد قررت أن تصبح رجلا.. فقمعت الأنثي داخلها وحبستها داخل قمقم كما كان يفعل سيدنا سليمان عليه السلام مع عفاريته وشياطينه ـ الجملة الأخيرة من عندي ـ وحلقت شعرها ونشفت صوتها وارتدت عمامة وجلبابا واسعا.. ونزلت تعمل أعمال الرجال.. عاملة في مصنع للطوب طوال ربع قرن كامل.. لم يكشف سرها أحد.. حتي إنها أحيانا كانت تعمل ماسحة للأحذية علي محطات السكك الحديدية ليستمر مشوارها مع عالم الرجال الخشن 42 عاما بطولها.. لم تعرف فيها مذاق الفرح والهناء إلا عندما دخلت ابنتها بيت العدل وتزوجت.. ولكن القدر لم يمهلها.. ليصاب زوج ابنتها بمرض سل الرئة فنزلت سوق العمل من جديد لكي تعول ابنتها وزوجها المريض وأحفادها الأربعة!
وها هي تتسلم شهادة التقدير من الرئيس عبدالفتاح السيسي وهي ترتدي اللاسة والعمامة بعد أن وقع عليها الاختيار كأم مثالية.. وعندما سألوها: ماذا ستفعلين بمكافأة الأمهات المثاليات وهي خمسين ألف جنيه؟
قالت: سأخصصها لعلاج زوج ابنتي هدي!
هذه المرأة من المؤكد يقينا أنها تنتمي إلي كوكب آخر غير كوكب الأرض وعالم أسطوري للكفاح والعطاء.. ما عدنا نعرفه!
...................
وأقول هنا ونحن نفتح صفحات عطرة في مسيرة الأمهات.. وكل منا يعتبر امه أعظم الأمهات علي وجه الأرض..
لقد تأكدت تماما وأيقنت كل اليقين.. أن الشمس الوحيدة التي تشرق في حياتك كل صباح بالحب.. بالدفء.. بالحنان.. هي شمس الأم.. وهي الشمس التي لا تغيب أبدا.. تطل عليك كل صباح وتأخذك في أحضانها كما تحتضن السنبلة حبات القمح.. ويتدفق نورها وخيرها ولبنها في فمك وفي عروقك أينما ذهبت.. وإذا غربت شمسها انفرط عقد حياتك.. وتفرقت حبات السنبلة.. يتعارك علي التقاطها من تراب الأرض غربان الغابة ويتوه الحب في شعاب الدنيا وحيدا بلا صاحب.. بلا ونيس.. بلا أليف..
والأم هي الحب الوحيد في حياتك دون زيف أو خداع أو قناع.. وآه من دموع الأمهات.. إنه نهر الحزن الحقيقي المتدفق بلا حواجز.. بلا سدود.. بلا توقف.. ولقد قال شاعر الهند طاغور العظيم: «السماء والجبال والأشجار وكل مخلوقات الأرض تهتز مع كل دمعة تخرج من عيون أم حزينة»..
ولقد قال الحكيم آني وهو من حكماء مصر العظام قبل نحو خمسة وثلاثين قرنا من الزمان، والذين يقتربون من مرتبة الأنبياء والرسل.. إن لم يكن بالفعل كان رسولا ونبيا ممن لم يذكرهم كتاب الله في محكم آياته:
«إذا مات الأب.. هتفت الملائكة: مات من كان الناس يكرمونك من أجله.. وإذا مانت الأم هتفت الملائكة: ماتت من كان الله يكرمك من أجلها!
.......................
يمر أمام عيني الحكيم ستب حتب وهو من حكماء مصر العظام الذين وصلوا إلي مرتبة الرسل وهو يقول لي:
«حب الأمهات يحب كل شيء ولا يطمع في شيء.. ضاعف لها العطاء.. فقد أعطتك كل حنانها.. ضاعف لها الغذاء فقد منحتك من عصارة جسدها لبنا طهورا نقيا.. فكلما تذكرتها في حياتك.. تذكرك الإله العظيم في آخرتك.. فرضاؤه يأتي من رضائها عنك..»
وأتذكر قول الحق عز وجل في محكم آياته: «وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا.. إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما.. فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما.. وقل لهما قولا كريما.. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.. وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا»..
ولكن هل حقا نفعل نحن الأبناء ما أوصانا به بديع السماوات والأرض؟
،،،،،،،،
اسمحوا لي أن أحكي لكم هذه الحكاية التي حكيتها هنا مرارا وتكرارا:
<< أعرف أسرة كبيرة ميسورة الحال.. تعب الأب كثيرا حتي كبر الأولاد والبنات وأصبحوا ما شاء الله مالا وجمالا وقوة ونفوذا ومركزا مرموقا.. والبنات تزوجن أحسن الزيجات..
وجاء ميعاد زواج الابنة الصغري ولم يجدوا غير شقة الأسرة التي لم يبق فيها إلا الأب الذي خرج إلي المعاش والأم والابنة التي تريد الزواج.. وانعقد مجلس الأسرة واتفقوا علي أن تتزوج الابنة في شقة العائلة.. ولكن كان لابد من خروج الأب إلي دار المسنين.. وقاوم الأب.. ولكن دون جدو.. ودخل الأب صاغرا دار المسنين.. ولكنه لم يتحمل الصدمة فخرج إلي الطريق.. لا أحد يعرف حتي كتابة هذه السطور إلي أين ذهب.. اختفي وضاع لا هو مات ولا هو عاد!
ـ لسه الحكاية ما خلصتشي.. أنا أقول:
فقد تزوجت الابنة في الشقة ولكنها استدارت إلي أمها وقالت لها: تروحي يا ماما دار المسنين أحسن.. لحسن جوزي موش مستريح.. واحنا موش واخدين راحتنا في الشقة!
ولمت الأم متاعها وذهبت إلي دار المسنين.. لتلقي ربها بعد ثلاثة أيام عددا كمدا وحزنا من غدر الأبناء!
وأعرف بناتا وأولادا يشغلون مراكز مرموقة رفضوا أن يصرفوا مليما واحدا علي أمهم بعد رحيل أبيهم عن دنيانا.. ولم يكن للأم أي دخل لكي تعيش إلا هبات وتصدق أهل الخير.. وعاشت الأم وحيدة حتي فقدت بصرها..
ورفع أهل الخير من جيرانها قضية في المحاكم ضد أولادها الجاحدين.. وحكم القاضي للأم بنفقة كبيرة يتقاسم دفعها أولادها الجاحدون.. الذين جاءوا بملابس مقطعة إلي المحكمة يشتكون للقاضي الفقر والعوز ومصاريف الأولاد!
ولأن ربك لبالمرصاد.. فقد جاء الرد سريعا وحاسما ورادعا..
فقد تزوجت كبري بنات أكبر الأولاد العاقين الذين لم يرحموا أمهم في كبرها وعجزها وهوانها حتي فقدت بصرها في أواخر أيامها من طول ما عانت ومن فرط ما بكت.. وحملت الابنة لتلد طفلا أعمي!
يا سبحان الله.. إن ربك حقا لبالمرصاد!
........................
وقد سألتني مذيعة في إحدي القنوات الفضائية: ماذا تعلمت من أمك؟
أو بمعني أكثر وضوحا: ماذا علمتك أمك.. وكيف ربتك؟
أذكر أنني قلت لها:
< علمتني أمي.. ألا أحيد عن الحق ولو علي رقبتي.
< وعلمتني أمي.. ألا أخسر نفسي أبدا.. فمتي خسر الإنسان نفسه وضعف وتخاذل أو انحرف عن الطريق الصحيح.. ولو مرة واحدة.. خسر بعدها الدنيا بحالها!
< وعلمتني أمي.. أن أقف إلي جوار المظلوم.. دائما.
< وعلمتني أمي.. ألا أرد محتاجا ولا سائلا ولا طارقا لبابي في حاجة.. أو في زنقة.. باعتبار أن خادم القوم هو سيدهم.. وألا أنتظر مقابل ما قدمته من خير.. مهما صنعت.. فإن الأجر والثواب من عند الله وحده..
< وعلمتني أمي ألا أخاف في هذه الدنيا إلا وجه الخالق سبحانه وتعالي.. وألا أجرح الناس وأكشف عوراتهم حتي لو تعرضت للأذي منهم!
< وعلمتني أمي أن أكون صلب العود رجلا في مواجهة الشدائد مهما كبرت وتعاظمت.. ولا أنحني أبدا إلا لكي تمر العاصفة ثم أعود كما كنت منتصب القامة.. واثق الخطي.. أمشى ملكا كما قالت أم كلثوم في قصيدة الأطلال..
< وقالت لي يوما دع الناس يحسدونك. انت. احسن كثيرا من أن تنظر للآخرين بعين حاسد أو حاقد!
< واسمحوا لي أن أحكي لكم هذه الحكاية الشخصية جدا:
سألتني يوما وقد شاهدتني سرحانا هائما في ملكوتي الخاص: مالك يابني؟
قلت لها: مفيش حاجة!
قالت: أبدا.. انت سرحان دايما عايش في ملكوتك.. ماذا بك؟
قلت لها: أبدا ما فيش حاجة!
قالت وقد أدركت لفراستها وعمق أحاسيسها: انت يا ولد تعيش قصة حب؟
قلت لها: هذا صحيح!
قالت: من تحب؟
قلت لها: فلانة بنت ناظر المحطة!
قالت: البنت حلوة صحيح.. أزوجها لك!
ثم ذهبت أمي إلي الفتاة ودعتها إلي منزلنا.. وقالت لها: سأبني لك شقة فوق بيتنا وسأزوجك ابني.. ولكن بعد أن يصبح قادرا علي الصرف عليك بعد ما يتخرج في الجامعة!
ثم قالت لي بعد أن ذهبت الفتاة إلي حال سبيلها: لا تجعل الحب يهزمك!
سألتها: إزاي يا أمي؟
قالت: بالعمل والنجاح والفلاح وعندما تنجح وتفلح ستجد ألف واحدة تتمناك.. وتختار انت ساعتها بمزاجك وعلي راحتك!
سألتها: من سأختار يا أمي ساعتها؟
قالت: لا يهم الغني أو الفقر والنسب والعزب والقصور.. ولكن خذ الطيبة بنت البيت الطيب والأم الطيبة.. الرقيقة التي تفيض حنانا.. والتي تعرف ربها وتصلي فرضها وتعيش معك علي الزمان.. وليس هي والزمان عليك!
وبعد ما تتجوز.. لا صوت يا بني يعلو علي صوتك في بيتك.. أنا سمعت أمي كانت تقول: بئس اليت الذي تأخذ فيه الدجاجة مكان الديك!
......................
أسمع علي البعد صوت المغنواتي في أفراح الزمن الجميل:
سوق الحلاوة جبر.. وادلعوا الوحشين..
قلت في نفسي في مونولوج داخلي دون صوت:
والله عندك حق يا عم يا مغنواتي!