التاسع من نيسان عام 2003 ، هل هو التاريخ الذي هوت فيه بغداد بقبضة الامريكان ، ام انها هوت قبل ذلك التاريخ بعقدين او اكثر ، عندما غزت القوات العراقية الكويت واحتلتها . مانحة بذلك الذريعة لامريكا وحليفاتها من الدول الغربية لاحكام قبضتها على عنق العراق ومحاولة ازهاق روحه عن طريق فرض حصار خانق استمر ثلاثة عشر عاما .
في كل عام ، وعندما تحل الذكرى المشؤومة تتبارى المواقع الالكترونيه من مدونات ومنتديات وسواها الى تجديد خبر النعي ، ويتبارى العديد ممن يقدمون انفسهم على انهم جنرالات سابقون في الجيش العراقي او محللون ، لشرح اسباب الهزيمة كلا من حيث يريد ويشتهي ويتصور . فبات من الطبيعي ان نقرأ عناوين من نوع :-
* في الذكرى الاولى لسقوط بغداد ، ضابط سابق في الجيش العراقي يروي اسرار لاول مرة عن معركة المطار .
* في الذكرى السابعه لاحتلال العراق ، ما زال اللغز الذي يشغل الجميع هو لماذا انهارت بغداد كأحجار الدومينو عندما وصلت القوات الامريكية الى اطرافها في نيسان /2003 .
* تصادف اليوم الذكرى العاشره للغزو الامريكي للعراق وسقوط بغداد .
* قادة الجيش العراقي يلقون باللائمة على صدام حسين ، وان خططه وسياسته هي التى أدت إلى احتلال العراق بذلك الشكل " المهين " ، في حين ألقى صدام من جانبه اللوم على الخونة دون تحديد، وأشار فى رسالة بعث بها من مخبئه فى 30 نيسان 2003 وأذاعتها القنوات الاخبارية العربية إلى أن الخيانة كانت وراء سقوط بغداد، قائلا :" لم ينتصروا عليكم يا من ترفضون الاحتلال والذل ويا من فى قلوبكم وعقولكم العروبة والإسلام ، إلا بالخيانة."
وهكذا ، الكل تحول الى جنرالات حرب ومحللين مختصين ، والسوق مفتوحه، ولكلٍ الحق في المناداة على بضاعته كما يشاء .
تتداخل المشاهد والتواريخ داخل رأسي وانا استعرض هذه العناوين ، واشعر انني قرأتها وعايشتها في زمن آخر في اوائل تسعينيات القرن الماضي ، عندما انسحب الجيش العراقي بشكل عشوائي من الكويت ، اثر الضربات المتوالية برا وبحرا وجوا من قبل التحالف الثلاثيني . انسحب العراقيون بجيش ممزق وكرامة جريحه كانت نتاجا طبيعيا لسياسة الانفراد بالقرار وخنق الاراء الاخرى .
وفي ذكرى السقوط في العام 2003 ، نتابع تصريحات عدد من العسكريين العراقيين تفيد بأن الجيش العراقى كان مكونا من وحدات يائسة ليس لها قيادة مركزية، إذ أمر بعض القادة جنودهم بعدم القتال، فيما جرى إخفاء الطائرات المقاتلة العراقية بأمر من صدام، بجانب أن الرادارات والبطاريات كانت معطلة أو تعمل بنصف طاقتها. وروايات اخرى تشيد بجاهزية الجيش العراقي وتحفزه للمقاومة ، وبطولاته في معركة المطار ، لكن هناك من اتخذ قرارا يقضي باختفاء عناصر الجيش لحين اعادة ترتيب الخطط والبدء بهجوم مباغت على الغزاه .
في ذكرى الهزيمتين في الاعوام 1991 و2003 لا فرق يذكر بين التحليلات والاكاذيب والاوهام والخرافات التي سيطرت على عقول الناس جاهلهم ومثقفهم كبيرهم وصغيرهم .
اتصفح دفترا كنت ادون عليه اهم اخبار الحرب وعناوين الصحف في العام 1991 فأكتشف ان الغرب اعتاد على ممارسة اساليب محددة في تعامله مع قضايانا ، فقبيل الغزو في 2003 جيشت امريكا وحليفها البريطاني العالم ضد العراق على اعتبار انه بات قاب قوسين من امتلاك سلاح نووي، وانه يملك بالفعل ترسانة متخمة بالسلاح الكيماوي ، ليشكل بذلك ذريعة للغزو .
سياسة تضخيم قدرات العدو سياسة قديمة لدى امريكا وحلفائها ، اقرأ لكم خبرا مشابها من دفتر ملاحظاتي بتاريخ 10/2/1991 ( قال وزير الدفاع الامريكي ديك تشيني انه ذهل لحجم القوة العسكرية العراقية ، واعترف بان العراق اصبح رابع قوة عسكرية في العالم من حيث التسليح والامداد )
ومن وراء ديك تشيني ، ينبري (شلومو لاهط) رئيس بلدية تل ابيب في ذلك الوقت ليصرح ( ان القصف الصاروخي العراقي على اسرائيل منذ بدء الحرب، قد دمر 3917 منزلا في تل ابيب وحدها ، اما في جميع انحاء اسرائيل فقد دمر القصف العراقي 7500 منزلا) وكانت تصريحاته ( او اكاذيبه ) تمهيدا للمطالبة بتعويضات ماليه عن الاضرار التي لحقت باسرائيل بعد ان تضع الحرب اوزارها .
اما اكاذيبنا على الجانب الاخر فتنوعت بين خبر عن مخطط امريكي لقصف الكعبه ، وخبر يفيد بانه حتى تاريخ 19/1/1991 ارتفع عدد الطائرات المعادية التي اسقطها العراق منذ بدء الهجوم الى 101 طائره .
بعد سقوط بغداد في 2003 تناثرت الاكاذيب من فم بوش وفريقه الرئاسي ، حيث صرح بانهم قادمون ليس لاحتلال العراق، بل لجلب الديمقراطيه والعداله للعراقيين ، الا ان ما جلبوه لم يكن سوى عصابات تهريب الاثار ، واحتكار شركات النفط ، واسلحه فتاكه خلفت مليون قتيل وملايين الارامل والايتام والنازحين ، وميليشيات طائفيه تقتل على الهويه .
في حروبنا ، يكون حضور الوهم اضعاف حضور الحقيقه ، وُتستدعى ( على عجل) كل احاديث الفتن والغزوات والملاحم ليتم اسقاط اخبارها على الحدث الراهن ، ونبقى نمارس الدروشة الى اقصى حالاتها ، فها هي صحيفة اردنية تنشر في العام 1991 مقالا بعنوان صدق او لا تصدق ،، اوجه التطابق بين القائد صلاح الدين وصدام حسين ، يورد فيه معلومات حول تطابق اعداد حروف اسمي الرجلين وتشابه حروف نهايات الاسمين ، وعمليات جمع لارقام احادية وارقام ميلاد صدام حسين ليكتشف ( الكاتب الدرويش) ان صدام حسين ما هو الا رجع وارتداد لصدى الزمن أي اعادة للقائد صلاح الدين .
حتى ان وزيرا او دبلوماسيا بريطانيا ادلى بدلوه في هذه المسألة فصرح بانه لا يوجد وجه للشبه بين صدام حسين وصلاح الدين الايوبي سوى ان الرجلين ينحدران من مدينة تكريت .
قبل الاعلان عن الانسحاب العراقي من الكويت بيوم واحد ، كان امام المسجد في حينا قد صعد المنبر بشكل مفاجىء قبيل صلاة العصر ليتلو بيانا عسكريا على المصلين، لا زلت اتذكر منه بعض الكلمات ( غرق بارجه فرنسيه ، الله اكبر ، مقتل عشرة آلاف جندي فرنسي ، الله اكبر )
وبعد .. ما بين دموع طالبات المدارس التي سكبنها عند الاعلان عن هزيمة وانسحاب العراق من الكويت ، وحالات الاغماء التي حصلت للكثرين ، وما بين دموعي التي سكبتها في 2003 ، وانا اراقب جموعا من العراقيين تعانق الامريكان في ساحة الفردوس .
ما بين هذا وذاك اتذكر كلمات للكاتبة غادة السمان تقول :
في 5 حزيران ، اعتنقنا الحزن
في 6 تشرين اعتنقنا الفرح
متى نعتنق الحقيقــه ؟
ارسطو قال : الجاهل يؤكد ، العالم يشك ، والعاقل يتروى .
متى نتروى في الحزن والفرح ؟