الارشيف / عالم المرأة / أخبار المرأة

المجتمع العميق حين ينظر إلى المرأة

  • 1/2
  • 2/2

نيودلهي - ندى الأزهري -" وكالة أخبار المرأة "

في الموعد الذي كان مقرراً لعرض فيلم «ابنة الهند» على إحدى محطات التلفزيون الهندي الخاصة، قُطع البث لتظهر شاشة سوداء في وسطها شعلة من اللهب وذلك احتجاجاً على منع السلطات الهندية لبث هذا الفيلم الوثائقي الذي حققته البريطانية ليسلي أودوين.
سنتان من الجهد الدؤوب والتحقيق وصعوبات عملية ومعنوية لا تحصى لتحقيق الفيلم، حيث «ما إن نخرج من مومباي واستوديواتها حتى يغدو التصوير شاقاً مهما كان الموضوع بسبب ثقل البيروقراطية والمشاكل التقنية» كما صرحت المخرجة في حديث إلى جريدة «ليبراسيون» الفرنسية. الشريط الذي تعود فيه أودوين إلى حادثة اغتصاب جماعي لفتاة حتى الموت في نيودلهي، حظرت الحكومة الهندية عرضه بقرار من المحكمة (حتى على اليوتوب) في الرابع من آذار( مارس) الفائت لخشيتها من أن تثير تعليقات أحد المغتصبين الواردة فيه أجواء من الخوف والتوتر في البلاد لما فيها من ازدراء للمرأة.
كانت حادثة الاغتصاب المفجعة نهاية 2012 قد أثارت حينها موجة عنيفة من الاحتجاجات مطالبة بالقصاص من المجرمين وقتلهم ومتهمة الحكومة بعدم حماية النساء كما يجب. يومها انتحر أحد المعتدين المعتقلين في السجن (قالت عائلته أنه قُتل)، وحكم على أحدهم بالحبس ثلاث سنوات كونه كان قاصراً وقت الاعتداء (17 سنة)، فيما حكم على الأربعة الباقين بالإعدام.
اختبار للديموقراطية
لم تكن المخرجة تتوقع أن يثير فيلمها كل هذا الجدل وهي نفت في المقابلة مع «ليبراسيون» أدنى ميل لها للاستهزاء أو التشكيك، معتبرة أن الفيلم «نوع من الاختبار لقدرة الديموقراطية الهندية لمواجهة العوائق والمشاكل» كما قالت. كما استغربت أودوين منع الفيلم من قبل برلمانيين «لم يروه» كمعظم من يهاجمه على أية حال. لم يقتصر الغضب على هؤلاء فحسب بل جاء أيضاً من الجمعيات النسائية الهندية التي شعرت بخيبة الأمل لأن المخرجة لم تذكر نشاطاتها وكفاحها. المحطة التي أرادت بث الفيلم ارتكبت بحسب المخرجة خطأ ببثها شريطاً إعلانياً عنه مع عبارات لأحد المغتصبين «أخرجت من سياقها» فبدا الأمر وكأن الفيلم يقدم منصة للمجرم ليعبر من خلالها عن نفسه. كان نائب رئيس الشرطة قد وصف مقاطع المقابلة مع أحد المغتصبين الواردة في الفيلم بأنها «مهينة وهجومية وتسببت بحال من التوتر والخوف بين النساء في المجتمع وأن قرار المنع هو من مصلحة العدالة والحفاظ على الأمن العام.
قُسم الفيلم الوثائقي إلى عدة محاور كان يتنقّل بينها معتمداً كركيزة أساسية على الحوار مع الأبوين وأحد المغتصبين في السجن. واستهله لقاء والديّ الضحية والتعرف إلى هويتهما وأسلوب تفكيرهما، عائلة تقليدية شعبية لكنها لم تعتبر إنجابها بنتاً أمراً غير مرغوب به كما هي الحال في عديد من الأوساط الشعبية في الهند، لقد فرح الأبوين بـ«جوتي» وبذلا كل جهدهما في تعليمها ورضيا باستعمال المال المدّخر لمهرها كي تكمل دراسة الطبّ.
من كلام أم مفجوعة تفطر القلوب بمأساتها وكلامها وعينيها الحزينتين ودموعها السارحة على خديها، يدرك المشاهد مدى الأمل الذي كان ومن ثم مدى الفاجعة التي حلت على الأبوين. لكن الانتقال من تلك المشاهد المؤثرة إلى اللقاء مع أحد المعتدين في السجن يصيب المشاهد بصدمة من نوع آخر، فهذا الشاب (28 سنة) والمحكوم بالإعدام يظهر ليتحف المقابلة بآراء تبرر فعلته «حين تُغتصب ليس عليها أن تقاوم. عليها أن تبقى صامتة وتسمح بالاغتصاب. فبعد أن يقوموا بفعلتهم معها يرمونها ويكتفون بضرب الصبي الذي كان معها»، مضيفاً بوقاحة: «تقع مسؤولية الاغتصاب على الفتاة أكثر بكثير مما على الشاب... فتاة محترمة لا تهيم في الخارج في التاسعة ليلاً. العمل المنزلي هو للفتيات وليس التشرد في علب الليل والبارات لترتكبن أعمال سيئة وهن يرتدين ثياباً غير لائقة». لقد «أعطوها درساً» كما استنتج، و«التصفيق يحتاج ليدين» وتعليقات من هذا القبيل تبدي النظرة الذكورية الصادمة واللاأخلاقية إلى الأنثى.
ثم يعرّف الفيلم بالشخصيات وبيئتها. فتتوضح شخصية «جوتي» من خلال كلام والديها وصديقها، فهي فتاة مجدة جادة عملت إلى جانب دراستها لمساعدة أهلها، ثم يتلو ذلك سرد سير المعتدين. كان أحدهم رياضياًَ معتاداً على التحرش بالفتيات ومدمناً على الحقن النافخة للعضلات، وثان يعيش في المدينة بعيداً من زوجته وطفله وعائلته التي تقطن القرية، وثالث شاب تحت السابعة عشر... جميعهم من بيئة ريفية مدقعة الفقر قدمــوا إلى المدينة بحثاً عن عـــمل. كما توقف الفيلم عند آراء رجال الشرطة والممرضة وحقوقيين ومحلليـــن، وبيّن مشاعر أهالي الضحية والمجـــرمين وهذا الأمل الذي قُتــــل وانقتـــل لدى الطرفين من الأهل. كــما نقـل الاحتجاجات الضخمة التي تلــــت الحادثة والتي انتقدت الحكومة لعـــدم تقديمها الحماية الكافية للنساء.
وبين كل هذه المواقف أعاد الفيلم تركيب مشاهد يوم الحادثة. لقد سكر الشباب وذهبوا للتجول، وهنا بنت المخرجة الواقعة وتمثيلاً للجريمة فـــي صـــور مشوشة وخيالات تتحرك في مشاهد معتمة في باص. السائق هو الراوي: لقد صعدت الفتاة الحافلة، كانت نجحت في الامتحان الأخير وأرادت الاحتفال بالذهاب إلى السينما برفقة رفيق لها (بعلم أهلها). هاجمها الرفاق الستة الذين كانوا في الباص واغتصبوها واحداً تلو آخر بعد أن ضربوا رفيقها ولجأوا إلى العنف بسبب مقاومتها لهم بحيث أمست في النهاية في حالة يرثى لها، ثم رموها هي وصديقها لتفقد الحياة بعد أيام.
لو كانت ابنته
استعانت المخرجة بمحامي الدفاع ليتحف الفيلم هو الآخر بأقوال من نوع «إذا أقامت ابنتي أو أختي علاقة قبل الزواج وأساءت لنفسها وسمحت بأن تضيع كرامتها وشخصيتها بقيامها بأفعال كتلك، سأقوم بالتأكيد بأخذ هذه الابنة أو الأخت إلى بيت العائلة وأمام الجميع سأصبّ زيتاً عليها وأحرقها». كما أبرزت أقوال أخرى للمعتدين: «ماذا كانت تفعل في وقت كهذا مع شاب في الباص؟!».
المخرجة كما صرحت، أرادته فيلماً عن الناس الذين عاشوا هذه المأساة، عن هويتهم وكيف يفكرون، لكنه ذهب بعيداً مع كل من قابلتهم في الاتهامات والتحليلات عن العادات الاجتماعية ودور المرأة في المجتمع الهندي وثقافة العيب مع تركيز على النظرة الذكورية والتقاليد. ولكن، هل هذا يشكل وحده دافعاً للاغتصابات الجماعية التي تتزايد في الهند؟ وهل يكفي الإتكاء على هذه النظرة الذكورية الفجة للمرأة لدى أوساط عدة لتبرير الاغتصاب؟ وأين الحديث عن هذا المجتمع الذي يمور بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من الفرد تائهاً هائماً على وجهه في وسط لا يعرفه ولا مرجع له فيه ولا بيئة أليفة تحيط به؟، إنه مجرد مستهلك لكل ما تقدمه المدينة وطامع في استهلاك كل ما تتيحه المدينة من سيارات، وأضواء وأحذية رياضية و... فتيات! هذا ما لم يتحدث أحد عنه في الفيلم.

الحياة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى