من خلال عدد من القراءات، وأيضاً الاستماع إلى عدد من الكلمات والأحاديث لمن هم أكبر سناً، كنت ألحظ بين وقت وآخر وأسمع قولهم بأن الزمن تغير، والأمثلة التي يتم سياقها للدلالة على تغير الزمن عديدة ومتنوعة، لكن من أهمها أو ما يعنينا في هذا السياق أنهم في السابق كانوا يعانون شح المعلومات وعدم وصول الأخبار في الوقت المناسب، وأن زمن اليوم أفضل بكثير من أزمان ماضية من حيث معرفة الأحداث والأخبار، فالجميع لديهم إلمام بطريقة أو أخرى بأي موضوع، والذي يجهل شيئاً وهو مهتم به وبمعرفته تسعفه عدة وسائل حديثة.
لن نذهب بعيداً فهذا هو غوغل محرك البحث الشهير يتربع على أول هذه الخيارات، أما انتقال الأخبار فحدث ولا حرج، فباتت تصلك حتى ولو لم تكن تريد وصولها إليك.
لكن لنتوقف هنا لبرهة من الزمن ونمعن التفكير، هل فعلاً غيرت هذه الوسائل شيئاً جديداً في بعض من التفكير السائد لدى البعض أو لدى شريحة واسعة من الناس؟ أطرح مثل هذا التساؤل لأننا ما زلنا نرى أن الأمية موجودة وإن كان مفهومها تغير ليصبح في الأمية المعرفية والجهل باستخدامات التقنيات الحديثة، لكنها موجدة وإن بأشكال مختلفة. إنه أمر واقع وصحيح ولا مجال للتشكيك فيه وهو القدرة وبضغطة زر يتم الحصول على المعلومات والمعارف التي تحتاج إليها، وباتت شبكة الإنترنت عالماً موازياً تماماً في هذا الإطار.
اليوم حتى الكتب الإلكترونية بدأنا نلحظها ونشاهد وجوداً كبيراً لها ونتصفحها ونقرأ على هواتفنا الذكية، إذن هو أمر حقيقي وواقعي أن المعرفة وعالمها ومصدرها باتت بين أيدينا، وإذا صح التعبير ووفق هذه الآلية فإن الزمن قد تغير، فقد ولت ومضت تلك الأيام التي تصلك الأخبار بعد فترة من الوقت أو بحثك عن أي معلومة يحتاج منك كتابة رسائل وانتظار الرد أسبوعاً واثنين، بهذه الآلية فعلاً انتهى زمن، ونعيش في زمن آخر.
لكن ماذا عن الإنسان نفسه؟ وأقصد تحديداً الشغف بالتطوير المعرفي والعلمي والثقافة العامة لدينا نحن، هل لدينا شغف بالمعرفة والبحث والقراءة؟ الوسائل موجودة وسهلة وهي بين أيدينا كواقع لا فكاك منه، لكن تبقى على كل واحد منا مسؤولية تطوير نفسه والقراءة والاطلاع.
في هذا السياق أتذكر مقولة شهيرة للمؤرخ الإغريقي هيرودوت قال فيها «أكثر الأشياء إيلاماً للإنسان أن تتوفر له المعرفة وتنقصه القوة» .. والقوة هنا هي الإرادة، إرادة التميز والتسلح بالعلم والمعارف.