القيل والقال، وما يعرف بالنميمة والغيبة وأيضاً البهتان، جميعها سلوكات متجذرة في الجسد الاجتماعي، بمعنى أنها موجودة في كل مجتمع، ولا فكاك منها، ولا سبيل للتخلص منها سوى بالتقليل من ظاهرتها بالمزيد من التنبيه والإرشاد والتذكير.
وعندما أقول إنها واقع في كل مجتمع إنساني، فأنا أشير لجميع أمم الأرض من دون استثناء، ولن تجد حضارة ولا أمة إلا ولديها مخزون تاريخي لمثل هذه الممارسات، إما تهكماً منها أو تحذيراً من الوقوع في هذه العادات المقيتة التي تقوم على النيل من الآخرين وإيذائهم بتناول خصوصياتهم وإفشاء أسرارهم.
مجالسنا وعلى مختلف أعمارنا وللجنسين ذكوراً وإناثاً، رجالاً ونساء من دون استثناء في كثير من الأحيان تكون مرتعاً لظهور هذه العادات الكلامية، بل البعض بات تعاطيه وحديثه لا يستقيم ولا ينطلق إلا وفق هذه الممارسة، وهي نيل ونقد من ليس حاضراً في المجلس، وأكثر ما يبغض في هذا السلوك أنه فعلاً يظهر جبناً وتدنياً في الأخلاق لا مثيل له، لأنها لا تقوم إلا على تناول الغائب الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
في ديننا الحنيف تحذير كبير من هذه السلوكات لأنها وببساطة متناهية عند انتشارها بين الناس ستضرب الألفة والمحبة، وستقضي على التسامح وتلغي صلة الرحم والتواصل والمودة، وهي جميعها قيم مهمة جداً في منظومة ديننا الإسلامي الحنيف، لذا ومنذ وقت مبكر من بعثة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، حذر ديننا من هذه السلوكات.
ففي التنبيه من خطورة النميمة وأثرها قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين». وفي الغيبة والبهتان، هناك أحاديث نبوية عدة من بينها قوله عليه الصلاة والسلام: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم، فقال ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» .. وهذا الحديث النبوي الشريف واضح بالنهي في الحديث عن الناس حتى وإن كان فيهم ما تقوله عنهم بشكل صحيح وحقيقي.
لكن الذي يحدث في عالمنا وعلى كثير من ألسنة الناس ومن جميع الجنسيات مختلف تماماً. يقول الشاعر الكريزي:
من نمَّ في الناسِ لم تؤمنْ عقاربهُ
على الصديقِ ولم تؤمنْ أفاعيهِ
كالسيل بالليلِ لا يدري به أحدٌ
من أين جاء؟ ولا من أين يأتيهِ