من نافلة القول إن الكذب مدمر على الصعد كافة، وهو ممارسة، فضلاً عن مقتها في جميع الأديان والشرائع، مؤذية اجتماعياً وفردياً، ويكفي أن نعرف أن من أولى علاماتها ونتائجها فقدان الثقة والمصداقية، والإنسان في أي حقل وعلى أي مستوى عندما يفقد الثقة به فإن عودة هذه الثقة ستكون شاقة وعملية طويلة، والمشكلة أن فقدان الثقة يحدث دوماً بسرعة مهولة وأمام أقل زلة، وهذا أيضاً واقع في حياتنا اليوم.
لا تغفل العين أن علاقاتنا البينية ـ مع بعض ـ يصيبها خلل بالغ والسبب هو عدم الصراحة والوضوح تجاه الطرف الآخر، نحن نجامل بعض بشكل سافر ومؤذٍ، على الرغم من أن منطلقات هذه المجاملات في كثير من الأحيان منطلقات عفوية وجميلة وعن حسن نية، لكنها في نهاية المطاف ترتد سلباً على من يجامل، وكما تلاحظون فإنني خلال الأسطر الماضية طرحت نقاطاً تتعلق بالكذب وأخرى تخص الثقة، والآن المجاملة. ولو أمعنّا النظر سنجد هذه المواضيع وغيرها من القيم الأخلاقية، متشابكة ومتحدة بطريقة أو أخرى ولها أثر في واقعنا الحياتي بشكل واضح وكبير.
والذي أريد الوصول إليه أنني بت اليوم أعتقد أكثر من أي يوم مضى أن منظومة القيم الأخلاقية واحدة لا يمكن تفريقها أو التفكيك بينها وأخذ ما تريد وإهمال قيمة أخرى لعدم مناسبتها لمزاجك، فلا يمكن أن تدعي المصداقية والوضوح دون الشفافية ودون أن تتولد الثقة والاحترام لديك، ولا يمكنك أن تمارس الاحترام مع الجميع وأنت في الحقيقة تمارس الكذب تجاه من تدعي أنك تحترمه.
لا تستقيم القيم الأخلاقية بالانتقائية، ولا يمكن عزل قيمة عن الأخرى، هي تقوم بوظيفة واحدة، محاولة إرشادك لطريق الصحيح وجعلك إنساناً متميزاً مرتاح الضمير، القيم الأخلاقية لا تتحقق إلا باتحاد وربط تام بينها، فالإنسان الذي يتمتع بالأخلاق لا شيء يدعوه للف والدوران مع الآخرين، لأن قيمه الأخلاقية تمنعه، والإنسان الذي يحترم الآخرين لن تجده في كل مجلس يتحدث في فلان وعلان، في صور من النميمة والغيبة والبهتان، لأن قيم الاحترام العميقة في تعامله مع الآخرين تمنعه. وبالمثل جميع القيم والمثل.
نحن بحاجة إلى تعزيز أي قيمة إنسانية ونقلها في وجدان وعقول النشء وأيضاً عقولنا نحن وبقية منظومة القيم والمثل الجميلة ستأتي تباعاً، لكن هذا يتحقق إذا قررنا أن ندعم ذلك الشعور العميق داخل عقولنا وقلوبنا ليكون مركزاً قوياً ورافداً لكل خير في مسيرتنا، وأقصد تحديداً الضمير، أيقظوه دائماً فهو خير مراقب لكم.