بين فترة وأخرى، يُصدر مولانا صاحب الجلالة السُلطان قابوس بن سعيد المعظم مراسيم سلطانية سامية رامية بتعيين إحدى القيادات النسائية في مناصب رائدة في الدولة، لم يكُن وقع الخبر مُفاجأة بالنسبةِ إلي، فثقةُ مولانا صاحب الجلالة بالمرأة، وتكليفها بمناصب سياسية في مواقع عدة، أمرٌ ليسَ بغريب في حكومة السلطنة التي تُؤمن تماماً بأن “اليد الواحدة.. لا تُصفق“، وأن تعطيل نصف المُجتمع هُو تعطيل للمُجتمعِ كله. فأصبحَ نهجُ هذا الرجل مدرسة دولية يحجُّ إليها القاصي والداني ليُسير شؤون رعيته الداخلية.. والخارجية، بعدَ أن يطوَّف بينَ صفوفها ينهل على أيدي المُعلِّم الأعظم بحورَ هذا العلم الذي لا يُؤتيه الله تعالى أبداً إلا للخواص من عِباده. لكنَّ الذي أثار حفيظتي فعلاً، ودفعني إلى طرحِ هذا الموضوع، هو خلاف ما جاء في العنوان، فأنا هُنا لست بصدد الحديث عن دور المرأة، ولا عن كفاءتها في العمل ولا اقتدارها على إثباتِ ذاتها.. أمام ذاتها، وأمام المُجتمعِ كُله، وأن “الكُرسي” الذي اعتلت منصبه هي قادرة على إيلائه كامل الحقوق التي نصَّ عليها الدستُور المُشَّرع له. الذي استغربت له.. ولم أستغرب، ردود الأفعال التي تباينت بينَ سعيدٍ لسعيدة وبينَ مُستنكرٍ لها، ومُستكثرٍ عليها هذا التكليف، الذي نسأل الله أن يُعينها على تأديته.
إنني أتساءل بكُل صراحة: ما عُدنا نُحب الخير لبعض، أو نفرح لفرحهم، أو نتألم لحُزنهم، لماذا؟ لماذا رانَ السواد على قلوبنا فتركنا مجالاً للشيطان، فصالَ وجالَ بداخلنا، يوزُّنا على هذا وعلى ذاك، فنكيدُ لبعضنا كيدًا، نحفرُ الحُفر، وننتظر لحظة السقوط، لنطيرَ في الجوِ..سعادةً..شامتين؟!
وهذه ليست المرة الأولى ولا الأخيرة ، فما دامت الحياة فوق الأرض، ستظل نفوس البشر حاقدة..إن جازَ لي التعبير، إن تولَّى أحدهم اليوم منصباً، كُلها ثوانٍ قلائل وتجد صفحات المنتديات والمحادثات والهاتف والمسجات تنهشُ فيه..غيبةً. فنتساءل: ماذا فعل كي يُصبح..؟، أو لماذا هو بالذات، أو هي؟ لا فرق، أنا أتحدث عن المضمون، بغض النظر عن النوع .. رجلاً او امرأة، وبجَّرة قلم طائشة لأحدِ الذين يندرجون في تلك القائمة السوداء، تشطبُ تاريخاً لهذا الشخص هو الذي كانَ وراء تقلُّده لما اختير له، فتجد البقية يُطبلون ويهللون، حتى لأنك تودُّ أن “تُفرغ” ما في بطنك من بشاعةِ التناول الذي لا نقبله؛ لأننا شعبٌ ترَّبى على الأخلاق، وعلى حُب الخير للآخرين، شعبٌ تربَّى على الإيثار، وعلى تقديمِ الآخر عليك، شعبٌ حينَ أكون خارج حدود الوطن، أجدهم مثلاً يُضرب إذا أرادوا توضيح مفاهيم النقاء والفضيلة، وإذا رجعتُ إلى وطني، أجدُنا نهاجم بعضنا بعضا، لماذا؟! لم أجد تفسيراً لذلك، ولا مُبرراً يشفع للقائمةِ السوداء سوادها، ولن ألقي باللومِ على الزمن أو الدُنيا، فهذه الشمَّاعة بريئة مما تفعلون.
ولا أريد أن يُفهم بكلامي هذا التعميم إطلاقاً، فلا شيءَ في الحياة له صفة الإطلاق، إيجاباً أو سلباً، فكما أن هُناكَ قائمةً سوداءَ، فهُناك قوائم أكثر بكثير، أطهر بكثير، أنقى.. أشرف.. وقلوبها أجمل بكثير مما تستوعب هذه الأسطر من كلمات.