كان هو يبحث عبر شاشة حاسوبه الصغيرة التي يتواصل من خلالها مع الناس متخذا مسارات عدة في طرق ووسائل البحث من أجل زيادة المعرفة والتعلم وجمع المعلومات عن قضايا ومواضيع عصرية تحاكي الواقع ،وكانت هي محبطة شبه منهارة تعاني من الوحدة القاتلة والغربة ومرارتها ،في ليلة مقمرة فتحت جهاز الحاسوب في غرفتها المظلمة إلا من نور أملٍ منبعثٍ من قلبها المرهف الحس الذي يستشعر عن بعد أحداثا مبشرة مفعمة بالتغيير والتجديد وتحقيق الأماني المختفية وراء الستار الليل وأسراره ،وبدأت كعادتها تكتب ما جال في بالها من الخواطر والتي تصف حجم معاناتها النفسية لا سيما بعد غياب زوجها الطويل عنها والظروف القاهرة التي تحول دون عودته حيث تعود لأسباب وذرائع غير مقنعة مختلقة. بدأت تكتب عن الدفء الإنساني والشوق الحنين والحاجة إلى الحب الود والرحمة ،وكتبت قصائد عن الفراق ،ونظمت قصائد مطولة ونصوصا أدبية كتبتها ونشرتها سردت فيها معاناتها من الظروف والتحديات التي تواجهها بحياتها وصممت بين سطورها أحلامها وطموحها غير المحدود الذي يعانق السحاب في فضاء رحب .
أرسلت تلك الخواطر المكتوبة إلى مواقع إلكترونية ثقافية أدبية تتواصل معها للنشر معبرة فيها بصوت عال واضح مقروء مفتوح أمام الملأ عن وفائها لزوجها وحبها العظيم له وتحبه وأنها توصفه بالقمر الذي يضيء طرقاتها ،وأنها لا تقوى على فراقه.
وهي تواصل الإرسال للمجموعات البريدية فوجئت برد عليها عبر البريد من عالم مجهول لا تدري من وراءه من غرباء عنا ،فجأة لاح في الأفق طيف رجل يقرأ أفكارها و ما توجهه من رسائل بين السطور التي تكتبها ،ويتتبع معاني كلماتها ويفهمها ،ويسمع نبض قلبها النابض بالحب والحياة .
بدأ ذلك الطيف يتواصل معها يوميا صبح مساء وصار ويعزف على أوتار قلبها ،وطرح عليها بسؤال منطقي هل ما كتبت حقيقة أم مجرد خاطرة،اعتراها إحساس غريب واختارت الصمت إزاء هذا السؤال ،ثم ردت بأنه تعبير طبيعي بسبب اشتياقها الغامر لزوجها الذي تحبه وغاب عنها ،ثم صمتت كثيرا متحلية بالصبر والأمل المشرق من جديد ،لحظتها كان هو الآخر يقرأ أفكارها وأرسل لها بعض المواضيع اللافتة وما يتضمنها من كلمات طيبة وهمسات تهدئ روعها ،وتلقائيا بدأ يوصف معاناته من زوجته التي بقربه وكيف يعيش معها كالغرباء لخلقها وتدخلاتها في حياته والتدقيق عليه في طرح الأسئلة عليه،وما أقسم عليه أن يتزوج بغيرها إذا أتيحت له الفرصة ،وطال شرحه ليكشف عن معاناة أكبر من معاناته ويبدأ معها مسلسلا جديدا في محاولة ضبط أمورهما سوية دون حاجة للنشر والتوزيع كي يسمع الجميع ما يدور في فضاء حكايتهما التي بدأت بين ليلة وضحاها بخاطرة ثم برد على رسالة ثم بداية حكاية أسطورية لم تنتهِ بعض تفاصيلها التي ستسرد لاحقا وستكتبها تباعا،ذلك أن زوجها ما زال كل يوم يتعذر بذرائع جعلها تقطع الأمل منه للتعلق بغيره ممن يستحق حبها المخلص.