قبل ان اشرع في كتابة هذا المقال ، طلبت من بعض الشباب طرح سؤال على اقرانهم من زملاء واصدقاء في الجامعه او المدرسه ، السؤال هو ( هل تعرف من هو جول جمال ؟ ) وكما توقعت فان غالبية الشريحه المستهدفة بالسؤال نفت معرفتها بهذا الشخص او ان تكون قد سمعت عنه . للاسف فان الاجيال الصاعده باتت لا تدرك الا الشيء اليسير عن ابطال زمن العنفوان والتضحيه.
لنبدأ الحكايه :
جول جمال ، سوري مسيحي ، من مواليد قرية المشتايه في حمص لعام 1934 انتقل مع اسرته للاقامة في اللاذقية ، وبعد تخرجه من المدرسه الثانويه كان والده يرغب بان يتابع ابنه دراسته الجامعيه ، الا ان جول كان يحلم بان يصبح ضابط بحريه ، وفي العام 1953 ارسل الى مصر ضمن عشر ضباط سوريين للدراسه في الكليه البحريه ، وانهى دراسته بتفوق عام 1956 ، وبقي ضباط البعثة السوريه في مصر ولم يغادروها بعد التخرج لان الحكومة السورية ارادت تدريبهم على زوارق طوربيد حديثه استوردتها مصر، واستفاق العالم في تلك السنه على اخبار العدوان الثلاثي ، كرد فعل على قيام الرئيس عبد الناصر بتأميم قناة السويس .
كان جول شابا سوريا مثل كل الشباب في سنه ، لديه احلام وطموحات ، كان يطمح لانهاء دراسته في مصر والعودة الى حضن عائلته في سوريا ،تعبر رسالة منشورة كتبها لوالده باللهجة العامية عن توقه للعودة الى وطنه وقضاء اعياد الميلاد ورأس السنه بين افراد عائلته ، لكن الاقدار كانت تخبىء له مهمة جليلة سوف تنحت اسمه عميقا في سجل التاريخ ، ولولا تلك المهمه لكان جول مثله مثل أي شاب سوري تسكع يوما في دروب قريته ، او لامست اقدامه رمال الشاطىء.
بدأ العدوان الثلاثي من قبل فرنسا وبريطانيا واسرائيل عام 1956 في الوقت الذي كان فيه جول يستعد للعودة الى وطنه سوريا . وعاثت طائرات وبوارج الدول المعتدية خرابا في مدن القناة ودمرت المطارات وسواها من المنشآت ، وفى منتصف ليلة الرابع من نوفمبر ، التقط جول ورفاقه بثا للسفينة الحربية الفرنسية العملاقة (جان بار) وتلقب بـ " تنين البحر المتوسط" ، وكانت مهمتها هي تدمير ما تبقى من مدينة بورسعيد ، وخلال اجتماع للقيادة العسكرية، تم الاعلان عن الحاجة الملحة الى فدائيين لان طبيعة العمليات الحربية القادمة في البحر ستكون عمليات انتحاريه .
دخل جول الى مكتب قائده مبديا الرغبة في التطوع للقيام بعمليات فدائيه، الا ان القائد اعتذر عن قبول طلبه لان القوانين لا تسمح بمشاركة أي اجنبي في دوريات بحرية ، لكن وامام اصرار جول على طلبه والحاحه وافق القائد على ارساله في المهمه برفقة ضابط مصري واخر سوري يدعى نخله سكاف ، واستطاعت الزوارق الحربية الوصول الى اقرب نقطة من المدمرة الفرنسيه بحيث باتوا في منطقة لا تستطيع فيها مدافع المدمرة الوصول اليهم ، واطلقت الطوربيدات في البدايه ثم اندفعت الزوارق (التي تحمل جول جمال ورفاقه) باتجاه المدمرة وارتطمت بها محدثة دويا هائلا اصاب المدمرة باضرار ومنعتها من التقدم ، وبقي تنين البحر المتوسط رابضا في مكانه يلعق جراحه . اما جول ورفاقه فقد مضوا الى خالقهم ولسان حالهم يقول :
عذر لمن مات لا عذر لمن سلما ،، اذا تهدم مجد واستبيح حمى
وترددت اصداء العملية الفدائية في كل مكان ، ولم تجد الدول المعتدية من وسيلة للانتقام لكرامتها المهدوره ، سوى بث الاشاعات المغلوطة لتدمير النفوس ، فقامت اسرائيل باطلاق اشاعة تقول ان جول لم يمت وانه اسير ، مما كان له الاثر السيء على نفسية والدته والتي بقيت حتى اخر ايامها تنتظر عودته .
لم يذهب جول الى الموت لانه كان يائسا من حياته ، بل كان يمني النفس ( كما اسلفنا) بالعودة الى وطنه واهله ، ولكنه تبرع بلحمه ودمه وروحه من اجل الدفاع عن مصر والعروبة ، لقد كان ورفيقه نخله سكاف ، مساهمة سوريا في رد ذلك العدوان الغاشم على مصر .
لم يربط على خصره حزاما ناسفا ويندس بين البسطاء والباعة المتجولين ليفجرهم ، ولم ينتظر خروج المصلين على باب مسجد لكي يختم طاعاتهم بالدماء ، بل اختار هدفه بعنايه ، آلة حربية تمخر عباب البحر لتحصد ارواح الابرياء ، وتهدم البيوت والمدارس .
وفي مثل هذا فليتنافس المتنافسون .